kawalisrif@hotmail.com

إسبانيا تنبش إرثها الاستعماري في الصحراء وتحوّل الجنسية إلى ورقة ضغط على المغرب

إسبانيا تنبش إرثها الاستعماري في الصحراء وتحوّل الجنسية إلى ورقة ضغط على المغرب

في خطوة تفتح الباب أمام تساؤلات سياسية وقانونية واسعة، اختار البرلمان الإسباني إعادة استحضار مرحلة الإدارة الاستعمارية للصحراء من خلال قرار يتيح للصحراويين المولودين خلال الفترة التي كانت فيها إسبانيا تدير الإقليم التقدم للحصول على الجنسية الإسبانية.

وبدل أن تتعامل مدريد مع ماضيها الاستعماري باعتباره صفحة تاريخية انتهت بانسحابها من الصحراء، يبدو أنها تعيد توظيف ذلك الإرث بعد عقود، وتحوله إلى مدخل جديد للحضور والتأثير في قضية تعتبرها الرباط جزءاً أساسياً من وحدتها الترابية.

فالخطوة الإسبانية لا يمكن فصلها عن تاريخ طويل من المسؤولية السياسية والقانونية لمدريد تجاه الإقليم، خاصة أن إسبانيا كانت القوة الاستعمارية التي أدارت الصحراء لسنوات قبل أن تغادرها، تاركة وراءها ملفاً معقداً لم تُغلق تداعياته بشكل نهائي. واليوم، وبعد مرور ما يقارب نصف قرن، تعود المؤسسة التشريعية الإسبانية إلى تلك المرحلة من خلال منح امتياز قانوني مرتبط حصراً بفترة الإدارة الإسبانية.

وهنا تبرز المفارقة التي تضع مدريد أمام انتقادات جدية: فإذا كانت إسبانيا تعتبر الصحراء جزءاً من الماضي الاستعماري الذي انتهى، فما مبرر إعادة بناء روابط قانونية جديدة مع سكان الإقليم على أساس تلك المرحلة تحديداً؟ ولماذا يجري استحضار الإرث الاستعماري في هذا التوقيت، في وقت تؤكد فيه الرباط أن قضية الصحراء ليست مجالاً للمناورات أو لإعادة إنتاج النفوذ الاستعماري بأشكال حديثة؟

والأخطر أن القرار، وإن قُدّم في إطار حقوق مدنية أو معالجة وضعية تاريخية، قد يتحول عملياً إلى وسيلة لإعادة إدخال إسبانيا في تفاصيل قضية الصحراء من نافذة مختلفة. فبدلاً من أن تكتفي مدريد بموقفها المعلن من مبادرة الحكم الذاتي، يجري فتح مسار قانوني جديد يمكن أن يمنح المؤسسات الإسبانية والأطراف السياسية المناوئة للمغرب هامشاً إضافياً للتحرك والتأثير.

ويرى الدكتور محمد الطيار، الباحث في الدراسات الأمنية والاستراتيجية ورئيس المرصد الوطني للدراسات الاستراتيجية، أن توظيف القوانين ذات الطابع المدني في الملفات الدولية الحساسة يمكن أن يتحول إلى أدوات ضغط غير مباشرة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقضايا ذات جذور استعمارية وحسابات جيوسياسية متشابكة.

وبحسب هذه القراءة، فإن القرار لا ينبغي النظر إليه فقط من زاوية عدد الأشخاص الذين قد يستفيدون منه، وإنما من حيث تداعياته السياسية المحتملة. فإسبانيا، التي تدرك أهمية المغرب بالنسبة إلى أمنها واقتصادها والهجرة ومحاربة الإرهاب، تبدو حريصة على الإبقاء على قنوات التعاون مع الرباط، لكنها في الوقت نفسه لا تريد التخلي عن كل الأوراق التي يمكن أن تمنحها هامشاً للمناورة مستقبلاً.

وتزداد حساسية الخطوة بالنظر إلى أن مدريد أعلنت خلال السنوات الأخيرة موقفاً داعماً لمبادرة الحكم الذاتي باعتبارها الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لتسوية قضية الصحراء. ومن ثم، فإن العودة إلى استحضار مرحلة الإدارة الإسبانية للصحراء من بوابة الجنسية تطرح سؤالاً مشروعاً حول مدى الانسجام بين الخطاب السياسي الرسمي والممارسات التشريعية داخل إسبانيا.

فالمغرب، الذي بنى خلال السنوات الماضية شبكة واسعة من الشراكات الاستراتيجية مع إسبانيا، لا ينظر إلى الصحراء باعتبارها ملفاً قابلاً للتجزئة أو لإعادة التفاوض من أبواب جانبية. وأي محاولة لإعادة إنتاج روابط سياسية أو قانونية مع الإقليم انطلاقاً من مرحلة استعمارية سابقة يمكن أن تُفهم باعتبارها تدخلاً غير مباشر في ملف سيادي شديد الحساسية.

كما أن تحويل الجنسية إلى مدخل لإعادة بناء علاقة خاصة بين إسبانيا وسكان الصحراء قد يفتح الباب أمام سابقة سياسية يصعب ضبط حدودها مستقبلاً. فإذا كان الإرث الاستعماري يمكن أن يتحول اليوم إلى أساس للحصول على امتيازات قانونية، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو ما إذا كانت دول استعمارية سابقة ستبدأ مستقبلاً في إعادة استخدام ماضيها الاستعماري كأداة لاستعادة النفوذ داخل مناطق غادرتها منذ عقود.

وفي هذا السياق، تبدو الخطوة الإسبانية أقرب إلى إعادة تدوير للإرث الاستعماري منها إلى مجرد تسوية قانونية بريئة. فالدول لا تتحرك في الملفات الاستراتيجية بمعزل عن حساباتها ومصالحها، واختيار البرلمان الإسباني لهذا التوقيت بالذات لإحياء صلة قانونية مرتبطة بفترة الإدارة الإسبانية للصحراء يمنح القرار بعداً سياسياً لا يمكن تجاهله.

وإذا كانت مدريد تريد فعلاً طي صفحة الماضي الاستعماري، فإن الطريق الطبيعي لذلك كان يمر عبر تحمل مسؤوليتها التاريخية والتعامل مع آثار تلك المرحلة بما يخدم الاستقرار، لا عبر إعادة توظيفها لصناعة نفوذ جديد.

وبذلك، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بمن سيحصل على الجنسية الإسبانية، وإنما بما إذا كانت إسبانيا تحاول، بعد نحو نصف قرن من انسحابها، العودة إلى الصحراء من باب آخر.

فالجنسية قد تكون عنوان القرار، لكن خلف هذا العنوان تبرز قضية أكبر: هل تطوي إسبانيا إرثها الاستعماري فعلاً، أم أنها تعيد استخدامه كأداة ضغط ونفوذ في مواجهة المغرب؟

11/09/2026

مقالات خاصة

Related Posts