بلغت قيمة أغلى 19 صفقة انتقال خلال الصيف نحو مليار و765 مليون يورو، لكن أياً من اللاعبين المعنيين بهذه الصفقات لا يوجد ضمن قائمة المرشحين الثلاثين للكرة الذهبية. إنها صورة تكشف فقاعة مالية ضخمة يبدو فيها السعر والموهبة وكأنهما يسيران في اتجاهين متعاكسين.
لقد أصيبت كرة القدم بالجنون، أو ببساطة لم يعد سعر اللاعب يعني ما كنا نعتقده في السابق. إينزو فرنانديز بـ145 مليون يورو، مورغان روجرز بـ138 مليوناً، إليوت أندرسون بـ135 مليوناً، برادلي باركولا ويان ديوماندي بـ125 مليوناً لكل منهما، وساندرو تونالي بـ108 ملايين. وهذه ليست سوى بداية قائمة أغلى صفقات الصيف.
الصفقات الـ19 الأولى بلغت قيمتها الإجمالية نحو مليار و765 مليون يورو. وفي المقابل، نشرت مجلة “فرانس فوتبول” يوم الثلاثاء قائمة المرشحين الثلاثين لجائزة الكرة الذهبية لعام 2026، الذين يتنافسون على لقب أفضل لاعب في العالم بعد موسم شمل هذه المرة أيضاً نهائيات كأس العالم. والسؤال اللافت هو: كم لاعباً ظهر في القائمتين معاً؟ الجواب: لا أحد، صفر. ولا يظهر أول اسم من قائمة أغلى الصفقات بين المرشحين للكرة الذهبية إلا عند الصفقة العشرين، حين يتعلق الأمر برودري، الذي بلغت قيمة انتقاله 60 مليون يورو.
هناك شيء لا يبدو منطقياً، وبشكل كبير. وربما يكمن الخطأ في الاستمرار في الاعتقاد بأن سوق الانتقالات يدفع حصراً مقابل الموهبة. فقد نشأت حول صفقات انتقال اللاعبين منظومة اقتصادية خاصة، لم يعد فيها لاعب كرة القدم مجرد مهاجم أو مدافع أو لاعب وسط، بل أصبح أيضاً “أصلاً” مالياً. والأصول، إلى جانب لعب كرة القدم، تُستخدم كذلك لضبط الحسابات المالية للأندية.
فالبيع يتيح تسجيل الأرباح المحاسبية الناتجة عن الصفقة بشكل فوري، بينما يمكن توزيع تكلفة شراء لاعب آخر عبر سنوات مالية متعددة من خلال الإهلاك المحاسبي. وهذا أمر قانوني تماماً، لكنه يخلق في الوقت نفسه حوافز واضحة. كما أن الشكوك بشأن قيام أندية بتبادل لاعبين وفق تقييمات يصعب تفسيرها من الناحية الرياضية تلاحق سوق الانتقالات منذ سنوات، ولا سيما في إنجلترا.
ويقدم الصيف الحالي صورة لافتة؛ فقد أنفقت أندية الدوري الإنجليزي الممتاز ما يقارب 4 مليارات يورو، فيما تمت 14 صفقة من أصل 19 صفقة تجاوزت قيمتها نحو 60 مليون يورو بين أندية المسابقة نفسها. المال ينتقل من جيب إلى آخر: البيع اليوم، تحصيل الأموال اليوم، ثم توزيع التكلفة على سنوات مقبلة. والعجلة تدور، والجميع يحتاج إلى استمرار دورانها.
ولم يعد سعر اللاعب يحدد فقط قيمته فوق أرضية الملعب، بل أصبح، في سوق يخضع لقواعد اللعب المالي النظيف، قادراً أيضاً على تحديد قيمته داخل الميزانية. وهنا تبدأ لعبة المرايا؛ فالمال لم يعد بالضرورة يتبع الموهبة، بل أصبح المال يتبع المال.
وفوق ذلك، هناك عشرات الأطراف التي تعيش حول اللاعب: مكافآت التوقيع، مكافآت تجديد العقود، مكافآت الولاء، حقوق الصورة، الوكلاء، الوسطاء، المحامون، المستشارون الضريبيون، شركات الاتصال والتسويق، إدارة الثروات والمكاتب العائلية. ولم يتبق سوى فرض مكافآت مقابل التنفس. وفي عام 2025، دفعت الأندية ما يقارب 1.2 مليار يورو لوكلاء اللاعبين كعمولات، وذلك فقط عن الانتقالات الدولية.
لقد تحول لاعب كرة القدم من الطراز الرفيع إلى ما يشبه شركة متعددة الجنسيات صغيرة. فقد تتولى وكالة التفاوض بشأن عقده، بينما تتكلف شركات وخبراء آخرون بإدارة صورته، وإعلاناته، واتصالاته، وثروته، واستثماراته وشؤونه الضريبية. الجميع يجد لنفسه زاوية داخل هذه الصفقة، والجميع يريد نصيبه من الكعكة. وكلما زاد عدد المستفيدين، وجب أن تكبر الكعكة، وبالتالي يصبح السعر أكثر ارتفاعاً.
حتى حسابات المسابقة الأغنى في العالم، الدوري الإنجليزي الممتاز، لا تبدو كحسابات نشاط تجاري سليم. فقد حققت أندية الدوري أكثر بقليل من 8 مليارات يورو من الإيرادات خلال موسم 2024-2025، لكنها سجلت خسائر إجمالية قبل الضرائب تجاوزت 1.1 مليار يورو. إيرادات أكثر، نفقات أكثر، صفقات أكثر، وأموال أكثر. العجلة لا يمكن أن تتوقف. يجب البيع بسعر مرتفع، ويجب الشراء بأي سعر كان، ثم توزيع التكلفة على عدة سنوات. المعادلة سهلة الفهم.
وفي نهاية هذا النشاط التجاري العملاق، يبقى شخص واحد يتحمل الجزء الأكبر من الفاتورة: المشجع. فهو لا يستفيد من الإهلاك المحاسبي، بل يدفع. يدفع أكثر مقابل الاشتراك، وأكثر مقابل تذكرة المباراة، وأكثر مقابل قميص فريقه، وأكثر مقابل مشروب في الملعب، وأكثر لمشاهدة كرة القدم عبر التلفزيون.
وفي المقابل، تتوسع مساحة الضيافة الفاخرة، والمقصورات الخاصة، والتجارب المميزة، والعملاء من فئة كبار الشخصيات داخل ملاعب كانت لعقود ملكاً للجماهير. واليوم أصبحت هذه المدرجات تستقبل، في كثير من الحالات، أشخاصاً لا يعنيهم ما يحدث فوق العشب أكثر مما تعنيهم تربية الجمبري البري في تمبكتو؛ يريدون مشروباً بارداً وإطلالة تمنحهم فرصة للنظر إلى الآخرين من علٍ.
ناهيك عن المؤثرين الذين بدأت رياضة التنس، ولحسن الحظ، في إبعادهم عن ملاعبها. والأسوأ أنهم يدخلون ويستهلكون مجاناً. إنها قمة انحراف المنظومة.
كرة القدم تعيش بشكل متزايد بعيداً عن الشخص الذي صنع منها ما هي عليه اليوم. فلم يسبق لها أن حركت كل هذه الأموال، وربما لم تكن يوماً بهذا القدر من الربحية بالنسبة إلى هذا العدد الكبير من الأطراف. الأندية واللاعبون والوكلاء والوسطاء والمستشارون وشبكات التلفزيون والرعاة، جميعهم يجدون مكاناً حول الطاولة، ويحصل كل واحد منهم على حصته من الكعكة، كبيرة كانت أم صغيرة.
أما المشجع، فقد حُددت له وظيفة أبسط بكثير: أن يحضر محفظته. أما قلبها رأساً على عقب وانتزاع آخر قطعة نقدية منها، فهناك من يتكفل بذلك أيضاً، فلا داعي لأن يقلق.
ثم تأتي الكرة الذهبية لتترك المفارقة الأخيرة: كرة القدم أنفقت ملياراً و765 مليون يورو على أغلى 19 صفقة انتقال خلال الصيف، لكنها لم تشتر لاعباً واحداً من بين المرشحين الثلاثين للفوز بجائزة أفضل لاعب في العالم.
وربما لم تعد كرة القدم تعرف فعلاً كم تساوي قيمة لاعبيها. أو ربما، وهذا هو الأكثر إثارة للقلق، لم يعد ذلك مهماً منذ وقت طويل.
12/09/2026