في تطور يضع الرواية الإسبانية حول أزمة سبتة المحتلة أمام اختبار سياسي وقانوني جديد، وجّه المغرب رسالة مباشرة إلى أعضاء البرلمان الأوروبي، أعلن فيها التزامه بإعادة قبول جميع المهاجرين المغاربة الذين عبروا الحدود إلى سبتة يومي 30 و31 يوليوز الماضيين، في خطوة تقطع الطريق أمام محاولات تحويل المغرب إلى كبش فداء لأزمة انفجرت على الجانب الآخر من الحدود.
الرسالة المغربية لم تكتفِ بتأكيد التعاون في عمليات العودة، بل حملت في طياتها أسئلة محرجة للذين يحاولون تقديم المغرب باعتباره الطرف الذي افتعل الأزمة. فالرباط تتساءل ببساطة: ما مصلحة المغرب في خلق أزمة خطيرة مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي، في وقت يعمل فيه على تعزيز علاقاته معهما؟ والأكثر إحراجا، لماذا كان سيختار المغرب تحديدا فترة عيد العرش لإشعال أزمة بهذا الحجم؟
وأكد المغرب أن السلطات تعمل على تحديد أسباب وملابسات أحداث 30 يوليوز، بما في ذلك التحقيق في الدور الذي لعبه التضليل المنتشر عبر شبكات التواصل الاجتماعي وشبكات تهريب المهاجرين واستغلال الأشخاص المستضعفين. وبذلك، تضع الرباط الملف في سياقه الطبيعي: أزمة معقدة تتداخل فيها شبكات التهريب والتضليل والمعلومات المضللة، وليست قصة جاهزة لتوزيع الاتهامات السياسية على الجار الجنوبي.
والأكثر إثارة أن الرباط شددت على أن التعامل مع وصول عشرات الآلاف من الأشخاص خلال فترة قصيرة لا يمكن أن يتحول إلى مبرر لاستخدام القوة المميتة. فالمغرب، وفق الرسالة، لا يعتبر القوة المميتة وسيلة أو حلا لإدارة تدفقات الهجرة، وهو موقف يضع علامات استفهام ثقيلة أمام كل محاولة لتبسيط المشهد وتحويله إلى معادلة جاهزة من نوع: المغرب مذنب وإسبانيا ضحية.
وفي الوقت نفسه، ذكّرت الرباط الأوروبيين بما يبدو أن بعض الأصوات السياسية في مدريد وبروكسل تفضّل تجاهله: المغرب ليس مراقبا متفرجا على الحدود، بل شريك يتحمل منذ سنوات جزءا كبيرا من عبء مكافحة الهجرة غير النظامية. ووفقا للمعطيات التي قدمتها الرسالة، أحبطت السلطات المغربية أكثر من 227 ألف محاولة عبور غير نظامية بين 2023 و2025، كما فككت خلال الفترة نفسها أكثر من 1050 شبكة تنشط في تهريب المهاجرين والاتجار بالبشر.
والأكثر إحراجا للخطاب المعادي للمغرب أن الرسالة تستند أيضا إلى موقف الحكومة الإسبانية نفسها، التي تؤكد أن المعلومات المتوفرة لا تسمح بتحميل المغرب مسؤولية أزمة سبتة، كما أقرت بالتعاون النشط للسلطات المغربية في تسهيل عودة الغالبية العظمى ممن عبروا الحدود.
وهنا بالضبط تصبح الحكاية أكثر تعقيدا بالنسبة إلى مدريد: فإذا كانت الحكومة الإسبانية نفسها لا تملك، وفق ما نقلته الرسالة المغربية، ما يكفي من المعطيات لتحميل الرباط مسؤولية الأزمة، فمن أين تأتي كل تلك الأصوات التي تتعامل مع المغرب وكأنه المتهم والمحكمة والحكم في آن واحد؟
المفارقة أن سبتة المحتلة تحولت مرة أخرى إلى مرآة تكشف هشاشة الخطاب الإسباني حول الحدود. فحين تحتاج مدريد إلى المغرب في مكافحة الهجرة، يصبح شريكا استراتيجيا، وحين تنفجر أزمة داخل الثغر المحتل، تبدأ بعض الأصوات في البحث عن شماعة جنوب المضيق. أما حين يتعلق الأمر بالأرقام والوقائع والتعاون الأمني، فتعود الحقيقة لتفرض نفسها بقوة.
ولم تتوقف الرسالة عند ذلك، بل أكدت أن المغرب ملتزم بإعادة قبول جميع الأشخاص المعنيين، بمن فيهم المواطنون المغاربة والقاصرون غير المصحوبين. وهو تعهد عملي يسحب من أيدي دعاة التصعيد ورقة مهمة كانوا يحاولون توظيفها داخل المؤسسات الأوروبية.
وفي البرلمان الأوروبي، لم تسر الأمور أيضا وفق السيناريو الذي كان يريده البعض. فقد أُلغي اجتماع كان مقررا بين مفاوضي مختلف المجموعات السياسية، باستثناء اليمين المتطرف، بهدف محاولة التوصل إلى نص مشترك بشأن أزمة سبتة، ما أدى إلى تراجع احتمالات التصويت على قرار أوروبي موحد بشأن الملف.
وبينما كان البعض يستعد لرفع أصابع الاتهام نحو الرباط، جاء الرد المغربي من بوابة البرلمان الأوروبي نفسه: تعاون، أرقام، التزامات بإعادة القبول، وتحذير من التضليل وشبكات التهريب، ثم سؤال واحد كفيل بإرباك كل الحسابات: إذا كان المغرب يعمل على تعزيز علاقاته مع إسبانيا والاتحاد الأوروبي، فما الذي سيدفعه إلى افتعال أزمة ضخمة معهما؟
هكذا تبدو أزمة سبتة المحتلة وكأنها بدأت تأخذ منحى آخر؛ فبدلا من أن تكون منصة لمحاكمة المغرب، قد تتحول إلى مناسبة لمراجعة الرواية الإسبانية نفسها. وبين أسوار الثغر المحتل، حيث تحاول السياسة منذ عقود أن تجعل الجغرافيا تبدو شيئا آخر، جاءت الرسالة المغربية لتذكّر أوروبا بأن الحدود لا تُدار بالشعارات، وأن الأزمات لا تُحل باختراع متهم جاهز.
وقد يكون السؤال الأكثر إزعاجا لمدريد ليس من دفع المهاجرين إلى سبتة، بل لماذا تحتاج بعض الأصوات الإسبانية، كلما اهتزت أسوار الثغر المحتل، إلى البحث عن عدو في الجهة الأخرى من الحدود الوهمية، بدل البحث عن الحقيقة داخل أزمتها نفسها؟
15/09/2026