يبدو أن كرة القدم الإسبانية اكتشفت فجأة أن القميص يمكن أن يتحول إلى بيان سياسي، وأن اللاعب مطالب أحياناً بأن يصبح جزءاً من سيناريو لم يكتبه ولم يطلب المشاركة فيه. فخلال مباراة إلتشي وريال مدريد، ظهر لاعبو الفريقين بقميص يحمل رسالة “كلنا سبتيون” دعماً لسبتة المحتلة، لكن ثلاثة لاعبين من ريال مدريد اختاروا التعامل مع الرسالة بطريقة مختلفة تماماً.
مبابي وفينيسيوس وإبراهيما كوناتي تسلموا القميص مثل بقية اللاعبين، وارتدوه فعلاً، لكنهم لم يعرضوا الرسالة كاملة أمام الجماهير، قبل أن يرفعوا القميص ويخلعوه بعد ثوانٍ. وهنا بدأت ماكينة التأويل الإسبانية في العمل بأقصى سرعتها: لماذا؟ هل يتعلق الأمر بموقف سياسي؟ أم بموقف أيديولوجي؟ أم أنه مجرد قرار شخصي؟ أم أن اللاعبين ببساطة لم يرغبوا في تحويل أنفسهم إلى لوحات إعلانية لرسالة لا يريدون التعبير عنها؟
المثير للسخرية أن الأمر لم يحتج إلى تصريح واحد من اللاعبين حتى يتحول إلى قضية. مجرد قميص لم يظهر كاملاً كان كافياً لإشعال التعليقات، وكأن المطلوب من نجوم كرة القدم ليس تسجيل الأهداف وصناعة الفرجة، وإنما توقيع مواقف سياسية جاهزة عند باب الملعب.
والصحيفة الإسبانية نفسها تقر بأن أسباب تصرف اللاعبين الثلاثة غير معروفة، وأنه لا يمكن تحديد ما إذا كان الأمر مرتبطاً بأسباب سياسية أو أيديولوجية أو بأي سبب آخر. ومع ذلك، بدأت الانتقادات تنهال عليهم، وكأن عدم رفع القميص بالشكل المطلوب أصبح فجأة مخالفة تستوجب المحاكمة الإعلامية.
والأغرب أن بقية لاعبي ريال مدريد وإلتشي أظهروا القميص كاملاً، بينما اختار الثلاثي المذكور عدم القيام بذلك. أي أن الاختلاف لم يكن في ارتداء القميص من أساسه، بل في مقدار الرسالة التي أراد كل لاعب إظهارها أمام الكاميرات. وفي عالم كرة القدم، يبدو أن حتى سنتيمترات القماش أصبحت اليوم قادرة على فتح ملفات سياسية كاملة.
المشهد يطرح سؤالاً بسيطاً لكنه مزعج: هل أصبح اللاعب ملزماً بإظهار كل رسالة توضع على صدره، حتى عندما لا يعرف الجمهور موقفه منها؟ أم أن للاعب، مثل أي إنسان آخر، الحق في أن يقرر ما يريد التعبير عنه أمام ملايين المشاهدين؟
وإذا كان ارتداء القميص تضامناً مع مدينة ما قد أصبح اختباراً للولاء، فإن رفعه أو خفضه نصف متر صار اختباراً آخر. أما حرية اللاعب في ألا يحول نفسه إلى طرف في كل معركة سياسية، فتبدو في هذه القصة وكأنها آخر ما يفكر فيه بعض المتابعين.
حتى ريال مدريد وجد نفسه مضطراً إلى إصدار بيان قبل المباراة لينفي أنه منع إظهار الدعم لسبتة، بينما شهد ملعب سانتياغو برنابيو خلال مباراة إنتر عرضاً لجدارية كبيرة بأعلام المدينة. وهكذا تحولت قصة قميص إلى مسلسل كامل: بيان من النادي، جماهير ترفع الأعلام، ولاعبون يغطون الرسالة، وآخرون يعرضونها، وإعلام يبحث عن تفسير لكل حركة.
لكن مبابي وفينيسيوس وكوناتي فعلوا شيئاً بسيطاً للغاية: ارتدوا القميص، ثم لم يعرضوا الرسالة بالطريقة التي كان ينتظرها البعض. وفي بلد اعتاد أن تتسلل السياسة حتى إلى مدرجات كرة القدم، يبدو أن الضجة لم تكن بسبب القميص وحده، بل بسبب أن ثلاثة لاعبين لم يقدموا الرسالة بالطريقة التي كان ينتظرها جزء من المتابعين.
وفي النهاية، قد تكون المفارقة التي أربكت بعض الأصوات في مدريد أبسط مما يريدون الاعتراف به: ليس كل لاعب مطالباً بأن يرفع القميص إلى أعلى نقطة حتى يرضي الكاميرات، وليس كل حركة تحتاج إلى محقق سياسي يفتش عن أسرارها. ومبابي، بحكم علاقته المعروفة بأشرف حكيمي، ليس بعيداً عن المغرب ولا عن محيطه الرياضي والثقافي، لكن الصداقة لا تحتاج إلى بيان، والاحترام لا يحتاج إلى قميص، والمواقف الحقيقية لا تُقاس بقطعة قماش تُرفع أمام عدسات التلفزيون.
أما سبتة المحتلة، فقصتها أكبر من قميص في ملعب وأعمق من حملة إعلامية عابرة. مدينة مغربية محتلة لا تتغير حقيقتها التاريخية لأن أحداً ارتدى قميصاً كتب عليه “كلنا سبتيون”، كما لا تتغير هويتها لأن لاعباً رفع القميص أو أنزله. وفي النهاية، قد يختلف اللاعبون في طريقة ارتداء القميص، لكن التاريخ لا يرتدي قمصاناً، والذاكرة المغربية لا تحتاج إلى خزانة ملابس كي تتذكر أن للمدن المحتلة حكاية أخرى.
16/09/2026