kawalisrif@hotmail.com

من احتلال سبتة إلى احتلال الميكروفونات.. البرلمان الأوروبي يغرق في الصراخ، ونائبة تفتح دفتر الجغرافيا: “هل تعرفين أين تقع؟”

من احتلال سبتة إلى احتلال الميكروفونات.. البرلمان الأوروبي يغرق في الصراخ، ونائبة تفتح دفتر الجغرافيا: “هل تعرفين أين تقع؟”

لم تعد سبتة المحتلة مجرد نقطة على خريطة إسبانيا، ولا مجرد ملف حدودي تحاول مدريد احتواء تداعياته، بل تحولت إلى مرآة عاكسة لارتباك أوروبي واضح في تدبير ملف الهجرة والحدود، بعدما انفجر الخلاف داخل البرلمان الأوروبي وتحولت جلسة مخصصة لمناقشة أحداث يوليوز إلى مواجهة سياسية صاخبة بين حلفاء الأمس وخصوم اليوم.

الجلسة كشفت أن أزمة سبتة لم تتوقف عند الأسوار والأسلاك الشائكة، بل تسللت إلى قلب المؤسسات الأوروبية نفسها، حيث وجد حزب الشعب الأوروبي والاشتراكيون والديمقراطيون أنفسهم في مواجهة مفتوحة حول مسؤولية الحكومة الإسبانية عن تدبير الأزمة، فيما حاول كل طرف تحميل الآخر الكلفة السياسية لأحداث لا يبدو أن أحدا مستعد لتحمل تبعاتها منفردا.

وبينما اصطف الاشتراكيون الأوروبيون خلف حكومة بيدرو سانشيز، متهمين خصومهم باستغلال سبتة لمهاجمة مدريد، شن نواب من حزب الشعب الأوروبي هجوما مضادا، مركزين على ما اعتبروه إخفاقا حكوميا في التعامل مع التحذيرات التي سبقت التدفق الكبير للمهاجرين. وهكذا تحولت سبتة المحتلة من أزمة حدودية إلى كرة سياسية يتقاذفها اليمين واليسار داخل المؤسسة التشريعية الأوروبية.

وفي خضم هذه الحرب الكلامية، اتهمت زعيمة الاشتراكيين إيراتشي غارسيا بيريث حزب الشعب الأوروبي باستغلال ملف سبتة لمهاجمة حكومة سانشيز، بينما رد اليمين المحافظ بتحميل رئيس الحكومة الإسبانية مسؤولية عدم التعامل، بالشكل الذي يراه مناسبا، مع التحذيرات الأمنية والسياسية السابقة للأحداث. وبين الاتهامين، بدت مدريد وكأنها تحاول الدفاع عن أدائها في بروكسل أكثر مما تقدم أجوبة حاسمة حول ما جرى.

ولم تتوقف شرارة الخلاف عند إسبانيا، بل امتدت إلى إيطاليا، بعدما انتقد نواب اشتراكيون قرار روما تمديد إجراءات التفتيش على الحدود الجوية والبحرية مع إسبانيا. وفي مفارقة تكشف عمق الخلاف حول مفهوم التضامن الأوروبي، اتهم النائب الاشتراكي الإيطالي ساندرو روتولو حكومة جورجيا ميلوني بطلب التضامن الأوروبي عندما يتعلق الأمر بلامبيدوزا، ثم رفضه، بحسب انتقاده، عندما يتعلق الأمر بسبتة.

أما حزب الشعب الأوروبي، فاستغل المناسبة لفتح ملفات أخرى في وجه حكومة سانشيز، من بينها سياسة تسوية أوضاع آلاف المهاجرين غير النظاميين. وهكذا لم تعد الجلسة نقاشا حول سبتة وحدها، بل تحولت إلى منصة لمواجهة سياسية أوسع حول الهجرة والحدود وتقاسم المسؤوليات داخل الاتحاد الأوروبي، وكأن الأزمة وجدت في البرلمان الأوروبي ساحة جديدة لتبادل الاتهامات.

والأكثر إثارة أن الجلسة لم تكتف بالسجال بين الاشتراكيين والمحافظين، بل انزلقت في مراحل منها إلى تبادل الاتهامات والصراخ بين اليمين المتطرف واليسار الراديكالي، حيث أصبح ملف الهجرة مادة جاهزة للاستعراض السياسي، وتداخلت قضية سبتة مع اتهامات متبادلة بشأن العنف ضد المهاجرين واعتداءات جنسية، في مشهد يكشف كيف يمكن لأزمة حدودية معقدة أن تتحول داخل بروكسل إلى مسرح للمزايدات السياسية.

لكن اللحظة الأكثر دلالة جاءت عندما ألقت النائبة الإيطالية عن “الرابطة” سوزانا تشيكاردي خطابا حذرت فيه مما وصفته بـ”غزو” أوروبا من طرف مهاجرين غير نظاميين، قبل أن ترد عليها النائبة الليبرالية السويدية من أصول عراقية عبير السهلاني بسؤال بدا كأنه يلخص عبث المشهد كله: “هل تعرفين أصلا أين تقع سبتة؟”.

السؤال، رغم بساطته، اختصر جانبا من الفوضى التي أحاطت بالنقاش. فحين تتحول مدينة مغربية في شمال المغرب إلى عنوان لصراع أوروبي كبير، وحين يتحدث عنها نواب أوروبيون وسط اختلاف واضح في فهم خلفياتها الجغرافية والسياسية، يصبح من المشروع التساؤل عن مدى قدرة بعض الخطابات السياسية على استيعاب تعقيدات المنطقة قبل تحويلها إلى شعار انتخابي جاهز.

والأهم أن الجلسة كشفت أن قضية سبتة لم تعد شأنا إسبانيا صرفا، بعدما أصبحت جزءا من معركة أوسع حول ما يسمى بحدود الاتحاد الأوروبي وسياسة الهجرة ومسؤولية الدول الأعضاء. وبينما يدفع اليمين الأوروبي نحو تشديد الخطاب والإجراءات، يدافع الاشتراكيون عن مقاربة مدريد ويهاجمون ما يعتبرونه توظيفا سياسيا للأزمة، لتتحول سبتة بذلك إلى عنوان لخلاف أوروبي يتجاوز حدود المدينة نفسها.

ومن المنتظر أن يتجه البرلمان الأوروبي إلى التصويت على قرار بشأن الملف، وسط معركة حول التعديلات التي ستحدد الصيغة النهائية للنص. وهو ما يعني أن سبتة ستظل حاضرة في بروكسل، ليس باعتبارها مجرد “بوابة أوروبية” كما تحاول بعض الخطابات تصويرها، وإنما باعتبارها قضية تكشف أيضا حجم التناقضات الأوروبية في التعامل مع الهجرة والحدود وعلاقات الجوار.

وفي نهاية المطاف، لم تفتح أزمة سبتة المحتلة نقاشا حول الهجرة فقط، بل كشفت أيضا عن ارتباك واضح داخل البيت الأوروبي، بعدما تحولت المدينة المغربية المحتلة إلى شماعة سياسية تتقاذفها العواصم الأوروبية كلما احتاج طرف إلى تبرير فشله أو مهاجمة خصمه. فبدل أن تناقش مدريد أصل الأزمة بعقلانية، وجدناها تختبئ مرة خلف بروكسيل، ومرة خلف خطاب “حماية الحدود”، وكأن مجرد رفع الأسوار يكفي لإخفاء حقيقة أن الاستعمار القديم ما زال حاضرا على الضفة الجنوبية للمتوسط.

والأكثر إثارة للسخرية أن بعض الأوروبيين دخلوا في معركة حول سبتة وكأنهم يتحدثون عن قطعة أرض نزلت عليهم من السماء، متناسين أن الجغرافيا لا تحتاج إلى خطب البرلمان الأوروبي، وأن سبتة توجد على التراب المغربي مهما طال عمر الاحتلال أو كثرت البيانات الإسبانية. وهنا يصبح السؤال الحقيقي أكثر إحراجا لمدريد: هل تمتلك أوروبا فعلا سياسة موحدة تجاه حدودها الجنوبية، أم أن “التضامن الأوروبي” يتحول إلى وصفة انتقائية، فيما تواصل إسبانيا التعامل مع سبتة المحتلة وكأن التاريخ يمكن تجميده بسياج حديدي؟ يبدو أن بروكسيل تحتاج أولا إلى درس بسيط في الجغرافيا والتاريخ قبل أن تبدأ في توزيع دروس الهجرة على الآخرين.

16/09/2026

مقالات خاصة

Related Posts