kawalisrif@hotmail.com

مراكش تفتح الأجواء من جديد للإسرائيليين.. عودة الرحلات بعد 3 سنوات تفجر أسئلة الذاكرة والسياسة والأمن

مراكش تفتح الأجواء من جديد للإسرائيليين.. عودة الرحلات بعد 3 سنوات تفجر أسئلة الذاكرة والسياسة والأمن

بعد توقف دام قرابة ثلاث سنوات، عادت الرحلات الجوية المباشرة بين إسرائيل والمغرب إلى الواجهة، مع استئناف الخط الجوي بين مطار بن غوريون ومراكش خلال شهر غشت الماضي، في خطوة أعادت تحريك سوق سياحية كانت قد شهدت تراجعًا حادًا منذ أكتوبر 2023.

وبحسب تقرير أوردته صحيفة “تايمز أوف إسرائيل”، فإن الطلب على الرحلات إلى المغرب بدأ في الارتفاع بسرعة، فيما عادت شركات السفر الإسرائيلية إلى تسويق المملكة باعتبارها وجهة تجمع بين السياحة التقليدية والبحث عن جذور تاريخية وعائلية تمتد لقرون.

وقبل اندلاع الحرب في أكتوبر 2023، كان المغرب قد استقبل، وفق تقديرات منسوبة إلى وزارة السياحة المغربية، ما يصل إلى 200 ألف سائح إسرائيلي خلال السنة التي سبقت هجمات 7 أكتوبر، قبل أن تتراجع حركة السفر بشكل كبير بين الجانبين.

عودة الرحلات لا تبدو، وفق المعطيات الواردة في التقرير، مجرد استئناف لخط جوي، بل محاولة لإعادة إحياء سوق سياحية كانت قد توسعت بعد استئناف العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وإسرائيل في دجنبر 2020، ضمن “اتفاقيات أبراهام” التي رعتها الولايات المتحدة.

وتراهن شركات السفر الإسرائيلية، بشكل خاص، على ما يسمى “رحلات الجذور”، التي تستهدف الإسرائيليين من أصول مغربية، وتمنحهم فرصة زيارة المدن والأحياء والمواقع التي ارتبطت بتاريخ أسرهم في المملكة.

وتشير تقديرات أوردها التقرير إلى أن عدد الإسرائيليين من أصول مغربية قد يصل إلى نحو مليون شخص، ما يجعل من هذه الفئة سوقًا سياحية محتملة واسعة، خصوصًا مع وجود شبكة من المواقع والمعالم المرتبطة بالتاريخ اليهودي المغربي في عدد من المدن.

وتظهر مراكش وفاس والرباط والدار البيضاء في مقدمة هذه الوجهات، إذ تضم مواقع ومعابد ومقابر مرتبطة بتاريخ اليهود المغاربة، فيما تحتفظ فاس بخصوصية تاريخية لارتباطها بأسماء بارزة في التاريخ اليهودي، من بينها موسى بن ميمون وإسحاق الفاسي.

أما الدار البيضاء، فتضم واحدة من أكبر التجمعات اليهودية المتبقية في العالم العربي، مع تقديرات تتحدث عن وجود ما بين ألف وألفي شخص، إلى جانب معابد ومدارس ومؤسسات ما تزال نشطة.

غير أن عودة الرحلات لا تأتي في فراغ سياسي أو أمني. فإسرائيل لا تزال تصنف المغرب ضمن المستوى الثالث من تحذيرات السفر، مع توصيات بتوخي مزيد من الحذر في مناطق معينة، وتحذيرات إضافية بشأن بعض المناطق الجنوبية.

ورغم ذلك، ترى جهات في قطاع السفر أن المسارات السياحية الرئيسية داخل المغرب يمكن التعامل معها، في وقت بدأت فيه الرحلات المنظمة، خصوصًا خلال الخريف وبداية الشتاء، تستعيد جزءًا من نشاطها.

وهنا تبرز المفارقة: الطائرات تعود إلى مراكش، وشركات السفر تستعيد حجوزاتها، و”رحلات الجذور” تبحث عن ذاكرة مغربية قديمة، بينما تظل السياسة الإقليمية حاضرة بقوة في خلفية المشهد.

فالمغرب لا يقدم نفسه باعتباره مجرد محطة سياحية، بل كبلد يحمل تاريخًا متنوعًا ومتعدد الروافد، ومن بينها مكون يهودي مغربي متجذر في الذاكرة الوطنية. ولذلك فإن عودة الرحلات المباشرة قد تعيد فتح أبواب السياحة، لكنها في الوقت نفسه تضع العلاقات المغربية الإسرائيلية أمام واقع أكثر تعقيدًا من مجرد أرقام المسافرين وحجوزات الفنادق.

وهكذا تعود الطائرات إلى مراكش بعد غياب طويل، حاملة معها أكثر من مجرد مسافرين وحجوزات سياحية. فخلف أرقام الرحلات و”رحلات الجذور” تختبئ أسئلة أكبر من مدرجات المطارات، تتقاطع فيها الذاكرة بالتاريخ، والسياحة بالسياسة، والعلاقات الثنائية بحسابات المنطقة.

مراكش تفتح أبوابها، وفاس تستعيد صفحات من ذاكرتها، والدار البيضاء تواصل احتضان موروث يهودي مغربي راسخ، لكن الطريق بين مطار بن غوريون والمدينة الحمراء لا يزال يمر فوق واقع إقليمي شديد الحساسية.

فهل تكون عودة الرحلات بداية لعودة السياحة إلى سابق عهدها، أم مجرد هدنة جوية مؤقتة فرضتها حسابات السفر والاقتصاد؟ سؤال ستجيب عنه الأيام، بينما تبقى سماء مراكش مفتوحة، لكن المشهد السياسي المحيط بها أبعد ما يكون عن الهدوء.

18/09/2026

مقالات خاصة

Related Posts