kawalisrif@hotmail.com

“مولاي الحسن” تدخل البحرية الملكية بصمت إسباني.. نافانتيا تسلّم المغرب سفينة بـ100 مليون يورو وسط أزمة سبتة المحتلة

“مولاي الحسن” تدخل البحرية الملكية بصمت إسباني.. نافانتيا تسلّم المغرب سفينة بـ100 مليون يورو وسط أزمة سبتة المحتلة

في مشهد اختلطت فيه الحسابات العسكرية بالدبلوماسية، اختارت إسبانيا تسليم المغرب سفينته العسكرية الجديدة بعيدًا عن الأضواء، في خطوة لافتة تأتي في توقيت حساس يتزامن مع استمرار تداعيات أزمة سبتة المحتلة.

فقد أعلنت شركة “نافانتيا” الحكومية الإسبانية، أمس الخميس، تسليم البحرية الملكية المغربية سفينة الدورية “مولاي الحسن”، في أول صفقة لبيع سفينة عسكرية إسبانية للمغرب منذ أربعة عقود، وبقيمة تتجاوز 100 مليون يورو.

لكن اللافت في الصفقة ليس السفينة وحدها، بل الطريقة التي اختارت بها مدريد تسليمها. فلا مراسم رسمية، ولا احتفال في أحواض سان فرناندو التي شهدت بناء السفينة، ولا صور احتفالية كما جرت العادة في مثل هذه المناسبات.

وقالت مصادر في الشركة الإسبانية إن “نافانتيا والزبون قررا بشكل مشترك عدم تنظيم أي مراسم”، من دون تقديم تفاصيل إضافية عن الأسباب. ويأتي ذلك في سياق حساس للعلاقات المغربية الإسبانية، يتزامن مع استمرار تداعيات أزمة سبتة المحتلة، ما يضفي على عملية التسليم طابعًا غير معتاد.

السفينة، التي تنتمي إلى فئة سفن الدورية في أعالي البحار، يبلغ طولها 87 مترًا وعرضها 13 مترًا، ويمكن أن تستوعب طاقمًا يصل إلى 60 فردًا. كما تتضمن الصفقة حزمة للدعم التقني واللوجستي، تشمل قطع الغيار والأدوات والوثائق التقنية، إلى جانب تكوين أفراد من البحرية الملكية المغربية في إسبانيا.

وتؤكد “نافانتيا” أن تصميم السفينة يتيح لها البقاء لفترات طويلة في البحر، مع تقليص تكاليف التشغيل ودورة الحياة، من خلال أنظمة تستهدف الحفاظ على قابلية التشغيل والصيانة والموثوقية مع طاقم محدود.

أما القيمة المالية للصفقة، فتظل محاطة ببعض الغموض، إذ لم تكشف الشركة الإسبانية السعر النهائي للسفينة، بينما سبق للحكومة المغربية أن أعلنت سنة 2022 الحصول على قرض من بنك “سانتاندر” بقيمة 95 مليون يورو لتمويل العقد المبرم مع “نافانتيا”، وهو القرض الذي وافق عليه رئيس الحكومة عزيز أخنوش.

والمفارقة أن السفينة نفسها حظيت، في مراحل سابقة من تصنيعها، بمراسم أكثر احتفالية، وذلك في فترة كانت فيها العلاقات المغربية الإسبانية تعيش مرحلة مختلفة.

ففي 27 ماي 2025، ترأس رئيس “نافانتيا”، ريكاردو دومينغيز، مراسم تدشين السفينة، متحدثًا آنذاك عن أهمية الصفقة بالنسبة للبحرية الملكية المغربية، وعن كونها تعكس “قوة تعاون يتعزز مع مرور الوقت” بين إسبانيا والمغرب في مجالي الأمن والتكنولوجيا.

وكانت مدريد قد أعلنت الصفقة لأول مرة سنة 2021، على لسان وزيرة المالية الإسبانية آنذاك، ماريا خيسوس مونتيرو، والرئيسة الحالية لـ”سيبي”، بيلين غوالدا، باعتبارها عودة لمبيعات السفن العسكرية الإسبانية إلى المغرب بعد توقف دام 40 عامًا.

اليوم، تغير المشهد. فقد خرجت السفينة من أحواض التصنيع الإسبانية، وأصبحت رسميًا جزءًا من البحرية الملكية المغربية، لكن من دون الاحتفال الذي كان يفترض أن يرافق حدثًا بهذا الحجم.

وهنا تكمن المفارقة التي تفرض نفسها: إسبانيا تبيع للمغرب سفينة عسكرية استراتيجية، وتستعيد عبر الصفقة جانبًا من التعاون الصناعي والأمني الذي توقف أربعة عقود، لكنها في الوقت نفسه تختار أن يتم التسليم في صمت، بينما تظل سبتة المحتلة حاضرة في خلفية المشهد السياسي.

إنها صفقة تكشف، بعيدًا عن لغة البيانات الرسمية، أن المصالح الاستراتيجية لا تختفي حتى عندما تتوتر العلاقات السياسية. فالسفينة التي حملت اسم “مولاي الحسن” لم تعد مجرد منتج خرج من ورش إسبانية، بل أصبحت جزءًا من أسطول البحرية الملكية المغربية، في وقت تبدو فيه مدريد أكثر حرصًا على خفض صوت الاحتفال بدلًا من رفع أعلامه.

وفي النهاية، قد يكون أكثر ما يلفت في هذه الصفقة ليس وصول السفينة إلى المغرب، بل ذلك الصمت الإسباني الذي رافق عملية التسليم. فحين تصبح صفقة عسكرية بملايين اليوروهات حدثًا بلا مراسم، فإن السؤال لا يعود متعلقًا بالسفينة وحدها، بل بما تقوله لحظة التسليم عن طبيعة العلاقة بين الرباط ومدريد، في زمن أصبحت فيه الحسابات الاستراتيجية أثقل من أن تخفيها البروتوكولات.

18/09/2026

مقالات خاصة

Related Posts