kawalisrif@hotmail.com

مليلية تبحث عن الثروة في باطن الأرض .. ستة ثقوب بعمق 3500 متر، والنتيجة مؤجلة إلى إشعار آخر !

مليلية تبحث عن الثروة في باطن الأرض .. ستة ثقوب بعمق 3500 متر، والنتيجة مؤجلة إلى إشعار آخر !

في مليلية المحتلة، يبدو أن السلطات الإسبانية قررت هذه المرة البحث عن الحلول في باطن الأرض، بعدما لم تعد الوعود السياسية وحدها كافية لصناعة المستقبل. ست عمليات حفر بعمق يصل إلى 3500 متر، ودرجات حرارة قد تتجاوز 200 درجة مئوية، ومشروع يُسوَّق باعتباره خطوة نحو اكتشاف مصدر جديد للطاقة الكهربائية. لكن المفارقة الساخرة أن كل هذه الأرقام الكبيرة لا تعني، حتى الآن، أن مليلية وجدت ما تبحث عنه، بل إنها حصلت فقط على الضوء الأخضر للبحث عما إذا كان هناك شيء يستحق الاستخراج أصلاً!

فبحسب ما أوردته صحيفة محلية، خلصت وزارة الانتقال الإيكولوجي والتحدي الديمغرافي الإسبانية إلى أن المشروع لا يحتاج إلى الخضوع للمسطرة العادية لتقييم الأثر البيئي، شريطة احترام التدابير والضوابط المحددة. والقرار، مهما جرى تقديمه باعتباره إنجازاً بيئياً وطاقياً، لا يمنح ترخيصاً لبناء محطة للطاقة الحرارية الأرضية، ولا يضمن إنتاج ولو ميغاواط واحد من الكهرباء، وإنما يسمح بمواصلة عمليات الاستكشاف التي ستحدد ما إذا كانت الفكرة قابلة للتحول إلى مشروع حقيقي أم أنها ستظل مجرد احتمال مدفون تحت الأرض.

المشروع الذي يحمل اسم “Melilla Geothermal Energy” يتضمن ست عمليات حفر موزعة على ثلاث مناطق، هي كابريريزاس، ومحيط نهر الذهب، ومنتزه خوان كارلوس الأول، بعدما جرى تقليص العدد من تسع عمليات إلى ست. وستستغرق كل عملية ما بين 45 و65 يوماً، فيما يصل عمق الحفر إلى نحو ثلاثة كيلومترات ونصف، في رحلة تقنية مكلفة ومعقدة لاكتشاف ما إذا كانت حرارة باطن الأرض قادرة على إنارة مدينة تبحث عن بدائل طاقية أكثر استقراراً.

وبلغة الأرقام، يبدو المشروع مثيراً للإعجاب: أعماق هائلة، وحرارة مرتفعة، وأبحاث جيولوجية، وأجهزة لمراقبة النشاط الزلزالي، ووعود بإمكانية إنتاج الكهرباء مستقبلاً. لكن بلغة النتائج، لا شيء محسوم حتى الآن. فالدراسات السابقة تحدثت عن مؤشرات لاحتمال وجود مورد حراري مائي، وليس عن اكتشاف مؤكد لمكمن قابل للاستغلال الاقتصادي. وبين المؤشر العلمي والثروة الطاقية الفعلية مسافة قد تكون أطول من المسافة التي ستقطعها آلات الحفر نفسها.

والأكثر إثارة أن المشروع لا يخلو من المخاطر التي تستوجب الحذر؛ فالحفر في أعماق الأرض يفرض حماية المياه الجوفية، ومنع تلوثها أو ربط الطبقات المائية المنفصلة، فضلاً عن مراقبة النشاط الزلزالي في منطقة تعرف أصلاً نشاطاً زلزالياً. ولهذا، يتعين تجهيز المشروع بوسائل رصد متخصصة، من بينها شبكة لأجهزة قياس الزلازل، بتنسيق مع المعهد الجغرافي الوطني الإسباني، إلى جانب تدابير للحد من الضوضاء وحماية الغطاء النباتي والتعامل مع النفايات.

أما منطقة نهر الذهب، التي ستحتضن عمليتي حفر، فتطرح بدورها أسئلة بيئية إضافية، بالنظر إلى وجود أوساط طبيعية وموائل للحيوانات بالقرب من مواقع الأشغال. وهكذا، فإن البحث عن الطاقة النظيفة لا يعفي المشروع من اختبار حقيقي لمدى احترامه للبيئة، ولا يجعل الحفر في أعماق الأرض مغامرة بلا حسابات أو تبعات محتملة.

والطريف في الحكاية أن القرار البيئي الإيجابي لا يعني أن السلطات الإسبانية اكتشفت كنزاً تحت مليلية، بل يعني فقط أن الجهة المختصة لا تتوقع آثاراً بيئية سلبية مهمة إذا جرى احترام الشروط المحددة. أي إن الموافقة تتعلق بمرحلة البحث، لا بنتائجه، ولا بجدوى المشروع، ولا بإمكانية تشغيل محطة لإنتاج الكهرباء مستقبلاً. وبين هذه المستويات الثلاثة تختبئ التفاصيل التي لا تظهر عادة في العناوين المتفائلة.

ومنذ سنة 2023، دخلت الرخصة مرحلة البحث، وهي تغطي 59 مربعاً معدنياً، فيما يرتبط المشروع الحالي بطلب تمديدها. ومع ذلك، لا تزال المدينة بحاجة إلى نتائج الحفر لتحديد درجات الحرارة الفعلية، وحجم المورد المحتمل، وخصائص السوائل الموجودة في باطن الأرض، ومدى قدرة هذه المعطيات مجتمعة على تبرير استثمار طاقي قابل للاستمرار.

وبطبيعة الحال، لا يمكن التقليل من أهمية البحث عن مصادر جديدة للطاقة، خصوصاً أن الطاقة الحرارية الأرضية تتميز بإمكانية توفير إنتاج أكثر استقراراً من المصادر المرتبطة بتقلبات الطقس. لكن الفرق كبير بين استكشاف فرصة واعدة والإعلان عن حل جاهز؛ فالمشاريع الكبرى لا تُقاس بعدد الأمتار المحفورة، ولا بدرجات الحرارة المسجلة في الدراسات الأولية، وإنما بقدرتها على الانتقال من مرحلة التوقعات إلى الإنتاج الفعلي، بكلفة اقتصادية وبيئية معقولة.

وهنا تحديداً يصبح من المشروع التساؤل عن حجم الاستثمار المطلوب، والآجال المحتملة، والكلفة النهائية للكهرباء المنتجة، ومدى قدرة المشروع على منافسة البدائل الأخرى. فقبل الاحتفال بثورة طاقية تحت الأرض، ينبغي أولاً التأكد من أن ما يوجد في الأعماق ليس مجرد حرارة جيولوجية مثيرة للاهتمام، بل مورد حقيقي يمكن استغلاله من دون أن يتحول إلى حفرة مالية مفتوحة.

وستتجه آلات الحفر إلى أعماق تصل إلى 3500 متر، لكن السؤال الحقيقي ليس إلى أي مدى تستطيع مليلية النزول تحت الأرض، بل إلى أي مدى تستطيع تحويل هذه المغامرة العلمية إلى نتيجة ملموسة. وحتى تظهر النتائج، ستظل المحطة الحرارية الأرضية مشروعاً محتملاً لا أكثر، وستظل الكهرباء الموعودة حبيسة الحسابات والفرضيات. أما الاحتفال المبكر، فذلك اختصاص لا يحتاج إلى أي حفر عميق!

11/10/2026

مقالات خاصة

Related Posts