kawalisrif@hotmail.com

من معلّم إلى “طحن الخبز بالورق” … أحمد التويزي يعتلي عرش البرلمان وسط فضائح الغياب وفوضى أول جلسة تشريعية

من معلّم إلى “طحن الخبز بالورق” … أحمد التويزي يعتلي عرش البرلمان وسط فضائح الغياب وفوضى أول جلسة تشريعية

استهل مجلس النواب المغربي ولايته التشريعية الجديدة (2026-2031)، الثلاثاء، على وقع ارتباك في تدبير أولى جلساته، وغياب 26 برلمانياً عن موعد يفترض أن يجسد الانطلاقة المؤسساتية لولاية جديدة، فضلاً عن غموض أحاط بنتائج التصويت وتشتت أصوات المعارضة، في مشهد أعاد إلى الواجهة أسئلة محرجة حول الانضباط داخل المؤسسة التشريعية، ومعايير اختيار من يتولى رئاستها.

وإذا كان انتخاب أحمد التويزي، مرشح الأغلبية الحكومية عن حزب الأصالة والمعاصرة، قد حسم بأغلبية 220 صوتاً مقابل 59 صوتاً لمنافسه إدريس الأزمي الإدريسي عن حزب العدالة والتنمية، فإن ما رافق هذه العملية كشف عن اختلالات سياسية وتنظيمية تستحق الوقوف عندها، خصوصاً أن الأمر يتعلق بأول اختبار عملي لمجلس يفترض أن يضطلع بأدوار محورية في التشريع ومراقبة العمل الحكومي ومساءلة المسؤولين.

غياب برلمانيين في أول امتحان مؤسساتي

أولى المفارقات التي طبعت الجلسة تمثلت في غياب 26 نائباً ونائبة من أصل 395 عضواً، أي ما يقارب 6.6 في المائة من مجموع أعضاء المجلس، في بداية ولاية يفترض أن يكون فيها الحضور والالتزام عنواناً للجدية السياسية واحترام المؤسسة التشريعية.

وشملت قائمة الغائبين رئيسة الحكومة المعيّنة فاطمة الزهراء المنصوري، إلى جانب عدد من أعضاء الحكومة المنتهية ولايتها، فيما ظل غياب نواب منتخبين آخرين بحاجة إلى توضيح، خاصة أن الجلسة كانت مخصصة لانتخاب رئيس المجلس، وهو استحقاق مؤسساتي لا يمكن التعامل معه باعتباره موعداً عادياً في جدول الأعمال.

ويطرح هذا الغياب سؤالاً مباشراً حول مدى استشعار بعض المنتخبين لحجم المسؤولية التي يحملونها، وعن الرسالة التي يبعثون بها إلى المواطنين في أول ظهور رسمي للمجلس الجديد. فالمواطن الذي ينتظر من ممثليه الحضور والمشاركة والمساءلة، يجد نفسه أمام مشهد يثير الشكوك بشأن جدية التعاطي مع الالتزامات البرلمانية منذ اليوم الأول.

معارضة مشتتة وأصوات تثير التساؤلات

ولم يكن المشهد السياسي أقل إثارة للانتباه، بعدما عجزت مكونات المعارضة عن التوافق على مرشح مشترك لمنافسة مرشح الأغلبية، ليظل إدريس الأزمي الإدريسي المرشح الوحيد الذي واجه التويزي، في نتيجة عكست تشتتاً واضحاً داخل صفوف المعارضة.

وحصل مرشح العدالة والتنمية على 59 صوتاً، مقابل 220 صوتاً للتويزي، وهي حصيلة تفتح باب التساؤل بشأن مصدر الأصوات التي تجاوزت العدد المفترض لأعضاء فريق الحزب، إذا افترضنا تصويت جميع أعضائه البالغ عددهم 54 نائباً لصالح مرشحهم.

وفي المقابل، أعلن نواب تحالف اليسار امتناعهم عن التصويت، قبل أن يثار جدل بشأن عدم احتساب موقفهم ضمن خانة الممتنعين، وهو ما يستدعي توضيحات دقيقة حول كيفية تسجيل المواقف أثناء عملية التصويت، ومدى تطابق النتائج المعلنة مع الاختيارات التي عبّر عنها النواب.

كما ظلت وجهة أصوات عدد من مكونات المعارضة، خصوصاً التجمع الوطني للأحرار والحركة الشعبية، غير واضحة، في ظل عدم تقديمهما مرشحاً خاصاً بهما. وهو ما جعل عملية الانتخاب، رغم حسمها حسابياً لصالح مرشح الأغلبية، محاطة بأسئلة سياسية لم تقدم الجلسة أجوبة واضحة عنها.

90 ورقة ملغاة.. أين ذهبت الأصوات؟

ومن أبرز النقاط التي أثارت الاستغراب الإعلان عن مشاركة 369 نائباً في التصويت، مع تسجيل 279 صوتاً صحيحاً و90 صوتاً ملغى، دون تقديم تفصيل واضح لطبيعة الأوراق الملغاة وأسباب إلغائها.

ويطرح هذا الرقم الكبير، مقارنة بعدد المشاركين، تساؤلات بشأن ما إذا كانت الأوراق الملغاة ناتجة عن أخطاء في التصويت، أو تعبير عن مواقف سياسية، أو أسباب إجرائية أخرى. فغياب التوضيح يترك المجال مفتوحاً أمام التأويلات، ويحول عملية يفترض أن تتسم بالشفافية والوضوح إلى مادة للنقاش والجدل.

ولا يتعلق الأمر بتفصيل تقني هامشي، بل بمسألة ترتبط بسلامة الإجراءات وحق النواب في التعبير عن اختياراتهم، وضرورة تقديم معطيات دقيقة للرأي العام بشأن نتائج أول عملية انتخابية داخل المجلس الجديد.

ارتباك في تدبير أول جلسة

وزادت طريقة إدارة الجلسة من حدة الانتقادات، بعدما طُرحت ملاحظات بشأن أداء أكبر النواب سناً، الذي تولى تسيير الأشغال قبل انتخاب الرئيس، وسط انطباعات عن ارتباك في ضبط الإجراءات ومواكبة مراحل التصويت.

فالجلسة الافتتاحية ليست مجرد إجراء شكلي يفضي إلى انتخاب رئيس، وإنما محطة دستورية يفترض أن تعكس قدرة المؤسسة على احترام قواعدها التنظيمية، وضمان انسيابية الأشغال، وتدبير الاختلافات دون أن تتحول الإجراءات إلى مصدر إضافي للالتباس.

وكان المنتظر أن تشكل هذه المحطة نموذجاً في التنظيم والانضباط، خصوصاً في بداية ولاية جديدة ترفع شعارات تجديد العمل السياسي وتعزيز الثقة في المؤسسات. غير أن الملاحظات التي رافقت تدبيرها أعادت طرح سؤال الجاهزية التنظيمية، ومدى الاستعداد لتقديم صورة تليق بمكانة البرلمان.

التويزي من التعليم إلى قمة المؤسسة التشريعية

وبعيداً عن تفاصيل التصويت، يثير انتخاب أحمد التويزي نقاشاً أوسع بشأن المسار السياسي ومعايير الوصول إلى رئاسة مجلس النواب، خاصة أن الرجل بدأ حياته المهنية في قطاع التعليم، قبل أن يخوض مساراً سياسياً امتد لعقود، تنقل خلاله بين الاتحاد الوطني للقوات الشعبية والاتحاد الدستوري والحركة الشعبية، وصولاً إلى حزب الأصالة والمعاصرة.

وقد راكم التويزي تجربة في تدبير المؤسسات المنتخبة، من رئاسة جماعات ترابية ومجلس جهة مراكش تانسيفت الحوز، إلى المسؤوليات البرلمانية وقيادة الفريق النيابي لحزبه، قبل أن يصل إلى رئاسة الغرفة الأولى.

غير أن طول المسار السياسي وتعدد المسؤوليات لا يعفيان أي مسؤول من التقييم والمساءلة، كما أن الوصول إلى موقع دستوري رفيع يفرض نقاشاً جدياً حول المؤهلات السياسية والمؤسساتية المطلوبة لإدارة البرلمان، بما في ذلك القدرة على تدبير الاختلاف، واحترام القواعد، وضمان استقلالية العمل التشريعي وفعاليته.

ويكتسب هذا النقاش أهمية إضافية في ضوء الانتقادات التي طالت حصيلة تدبير التويزي المحلي، وما أثير بشأنه من شبهات مرتبطة بتدبير المال العام. وفي هذا السياق، ينبغي التمييز بين الانتقادات السياسية والتدبيرية من جهة، والمسؤولية الجنائية من جهة أخرى، خصوصاً أن التويزي سبق أن حصل على حكم بالبراءة في القضية المتعلقة بالتدبير الجماعي التي أثيرت بشأنها اتهامات مالية.

كما أعادت تصريحاته السابقة بشأن «طحن الورق»، خلال مناقشة مشروع قانون المالية، الجدل حول أسلوب الخطاب السياسي وحدود التصريحات الصادرة عن المسؤولين، بعدما أعلن عن فتح بحث قضائي للتحقق من ملابساتها، دون أن تكون نتائجه النهائية قد أُعلنت، وفق المعطيات الواردة في التقارير المنشورة حول الموضوع.

إن استحضار هذه المحطات لا يعني إصدار أحكام مسبقة على الرئيس الجديد، بقدر ما يؤكد أن تولي رئاسة البرلمان يرفع منسوب المسؤولية السياسية والأخلاقية، ويجعل أداء صاحبه تحت مجهر الرأي العام، بالنظر إلى طبيعة المنصب وحساسية المهام المرتبطة به.

بداية تفرض أسئلة صعبة

تكشف أولى جلسات مجلس النواب الجديد عن مفارقة واضحة: أغلبية تمكنت من تمرير مرشحها، في مقابل غيابات لافتة، ومعارضة لم تنجح في توحيد موقفها، وأصوات ملغاة لم تُقدَّم بشأنها توضيحات كافية، فضلاً عن ملاحظات بشأن تدبير الإجراءات التنظيمية.

وهذه العناصر مجتمعة تجعل بداية الولاية مناسبة لطرح أسئلة جدية حول الانضباط البرلماني، وشفافية التصويت، ومسؤولية الفرق النيابية، ومعايير اختيار رئيس المؤسسة التشريعية.

فالمطلوب من مجلس النواب ليس الاكتفاء باستكمال الاستحقاقات الشكلية أو تسجيل انتصارات عددية للأغلبية، وإنما إثبات قدرته على ممارسة اختصاصاته الدستورية بكفاءة وشفافية، وإعادة الاعتبار للعمل البرلماني من خلال الحضور المنتظم، وجودة التشريع، والرقابة الفعلية على الحكومة.

وبينما يبدأ أحمد التويزي ولايته على رأس المجلس، تبقى الأنظار موجهة إلى قدرته على تحويل هذا المنصب إلى فرصة لإثبات الكفاءة المؤسساتية، وتجاوز الأسئلة التي رافقت انتخابه، فيما سيكون أداء المجلس خلال المرحلة المقبلة الاختبار الحقيقي لمدى جدية الوعود المرتبطة بتجديد الحياة البرلمانية واستعادة ثقة المواطنين.

14/10/2026

مقالات خاصة

Related Posts