كرّس معرض مراكش للطيران، في دورته الثامنة المنعقدة ما بين 7 و10 أكتوبر 2026، المكانة المتنامية للمغرب باعتباره وجهة استراتيجية للاستثمارات في قطاعي الطيران والدفاع، في وقت أثار فيه الحضور الإسباني المحدود تساؤلات بشأن مستقبل التعاون الصناعي والعسكري بين الرباط ومدريد، ومدى قدرة الشركات الإسبانية على مواكبة التحولات المتسارعة التي تعرفها السوق المغربية.
وجمع المعرض نحو 200 عارض وشركة من أكثر من عشرين بلدا، بمشاركة أسماء عالمية وازنة، من بينها “بوينغ” و”لوكهيد مارتن” و”إمبراير” و”إسرائيل للصناعات الجوية”، في مشهد يعكس حجم الاهتمام الدولي المتزايد بالمغرب، الذي يواصل استقطاب الاستثمارات والخبرات في مجال الصناعات الجوية والتكنولوجيات المتقدمة.
ولم تعد المملكة مجرد سوق لاستيراد المعدات الجوية والعسكرية، بل أصبحت فضاء متناميا لتوطين الأنشطة الصناعية واستقطاب الشركات الدولية، مستفيدة من موقعها الجغرافي، وشبكة علاقاتها الاستراتيجية، والبنيات التحتية التي طورتها خلال السنوات الأخيرة، إلى جانب توجهها نحو تعزيز قدراتها الصناعية والتكنولوجية.
وتضم المنظومة الصناعية المغربية أكثر من 150 شركة دولية، في مؤشر على تنامي جاذبية المملكة للاستثمارات المرتبطة بصناعة الطيران. كما تعزز الشراكات مع الولايات المتحدة وإسرائيل وفرنسا موقع المغرب ضمن خريطة التعاون الدفاعي الدولي، إذ تشير معطيات منسوبة إلى معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام إلى تصدر الولايات المتحدة قائمة موردي الأسلحة للمملكة بنسبة 60 في المائة، تليها إسرائيل بنسبة 24 في المائة، ثم فرنسا بنحو 10 في المائة، وفق الأرقام المتداولة بشأن هذه الإمدادات.
وفي المقابل، بدا الحضور الإسباني محدودا مقارنة بحجم العلاقات الاقتصادية التي تربط البلدين، وهو ما يثير تساؤلات بشأن الأسباب التي تحول دون استثمار الشركات الإسبانية إمكاناتها التكنولوجية والصناعية في سوق مجاورة تشهد توسعا متزايدا في مجالات الطيران والدفاع.
وتتجلى هذه المفارقة بصورة أوضح عند استحضار موقع شركة “إندرا”، إحدى أبرز المؤسسات الإسبانية العاملة في التكنولوجيا الدفاعية، والتي يعود حضورها في المغرب إلى عام 1995. فقد راكمت الشركة تجربة طويلة في المملكة، من خلال مشاريع مرتبطة بمراقبة الحركة الجوية وتحديث أنظمة النقل السككي والتنقل الحضري، فضلا عن تطوير حلول رقمية لفائدة الإدارات العمومية.
وكانت الخبرة التي راكمتها “إندرا” في السوق المغربية تؤهلها لتعزيز حضورها في مجال التكنولوجيا العسكرية، خصوصا في أنظمة الرادار والمراقبة الجوية والقيادة والتحكم والدفاع السيبراني. غير أن غيابها عن المعرض شكل إحدى أبرز المفارقات في دورة هذه السنة، في وقت تتسابق فيه شركات دولية على توسيع شراكاتها مع المملكة.
وفي تطور يعكس احتدام المنافسة، استغلت مجموعة “إيدج” الإماراتية مشاركتها في معرض مراكش للطيران لتوقيع اتفاقين مع إدارة الدفاع الوطني المغربية؛ يتعلق الأول بتوريد أسلحة للطائرات المسيرة القتالية التابعة للقوات الجوية الملكية المغربية، فيما يهم الثاني وضع إطار للتصنيع المحلي للأسلحة الخفيفة ومحركات الطائرات.
ويكتسي هذا التطور أهمية خاصة بالنظر إلى أن المجموعة الإماراتية سبق أن دخلت في شراكة مع “إندرا” لتصنيع الطائرات المسيرة في مدينة ليون الإسبانية، ما يكشف عن مفارقة لافتة تتمثل في حضور شريك إماراتي لتوسيع تعاونه الدفاعي مع المغرب، مقابل غياب الشركة الإسبانية التي ترتبط به بشراكة صناعية وتكنولوجية.
أما شركة “إيرباص”، فقد شكلت الاستثناء الأبرز في الحضور المرتبط بإسبانيا، من خلال مشاركتها في المعرض بهدف تعزيز التعاون الصناعي وعرض منتجاتها المدنية والعسكرية. كما وقعت اتفاقا مع “بوينغ” و”لوكهيد مارتن” لإحداث منصة بحثية متخصصة في التصنيع المتقدم بالمغرب.
وتتمتع “إيرباص” بحضور صناعي مهم داخل المملكة، حيث تعمل من خلال خمسة كيانات قانونية، وتشغل نحو 1300 متخصص، كما ترتبط بشبكة تضم أكثر من 100 شركة محلية، بما يساهم في توفير أكثر من 10 آلاف فرصة عمل مؤهلة، مباشرة وغير مباشرة، وفق المعطيات المتداولة بشأن أنشطتها الصناعية بالمغرب.
ويعكس هذا الحضور حجم التحولات التي يشهدها قطاع الطيران المغربي، الذي لم يعد يقتصر على استقطاب الاستثمارات الأجنبية، بل يتجه نحو تطوير شبكة صناعية متكاملة قادرة على توفير مكونات الطائرات والخدمات التقنية والصيانة، وخلق فرص عمل متخصصة، وتعزيز الاندماج في سلاسل الإنتاج الدولية.
وتأتي هذه التطورات في سياق منافسة دولية متزايدة على السوق المغربية، تقودها شركات أمريكية وإسرائيلية وفرنسية وإماراتية، تسعى إلى توسيع حضورها والاستفادة من المشاريع الصناعية والدفاعية التي تطلقها المملكة. وفي ظل هذه الدينامية، يصبح الحضور في المعارض المتخصصة مدخلا أساسيا لبناء الشراكات، واستكشاف فرص الاستثمار، وتعزيز العلاقات مع المؤسسات والفاعلين الصناعيين المغاربة.
ولا يمكن فصل محدودية المشاركة الإسبانية عن طبيعة العلاقة بين السياسة والاقتصاد في قطاع الدفاع، الذي يتأثر بدرجة كبيرة بحسابات الحكومات ومواقفها الدبلوماسية. فالتعاون في المجالات المدنية والتجارية قد يستمر رغم الاختلافات السياسية، بينما تصبح الصفقات العسكرية أكثر حساسية، بالنظر إلى ارتباطها بالأمن القومي والتوازنات الإقليمية.
وتقدم تجربة شركة “نافانتيا” مثالا على استمرار التعاون العسكري بين البلدين رغم الأزمات السياسية، بعدما سلمت إسبانيا للمغرب سفينة الدورية العسكرية “مولاي الحسن”، من فئة “أفانتي 1800″، المصممة خصيصا للبحرية الملكية المغربية. وقد تم تسليم السفينة في أجواء اتسمت بالتكتم، خلال مرحلة التوتر التي أعقبت أحداث سبتة المحتلة سنة 2021.
وتطرح هذه المعطيات تساؤلات بشأن مدى قدرة الشركات الإسبانية على الاستفادة من الفرص التي يوفرها السوق المغربي، خصوصا أن إسبانيا تحتفظ بموقع متقدم في المبادلات التجارية مع المملكة. فقد تجاوز حجم التبادل التجاري بين البلدين 22.757 مليار يورو سنة 2025، فيما بلغ الفائض التجاري الإسباني مع المغرب نحو 1.901 مليار يورو، وفق الأرقام المتداولة.
وتكشف هذه المؤشرات عن مفارقة بين قوة الشراكة الاقتصادية ومحدودية الحضور الإسباني في أحد القطاعات التي أصبحت تحظى بأهمية استراتيجية متزايدة. فالمغرب يواصل تنويع شركائه، ويمنح الأولوية للمشاريع التي تتيح الاستثمار ونقل التكنولوجيا وتطوير القدرات الصناعية المحلية، دون أن يحصر خياراته في شريك واحد أو مجال جغرافي بعينه.
وفي ظل هذا التنافس، تبدو المملكة في موقع يسمح لها بتعزيز قدرتها على استقطاب الاستثمارات والتفاوض مع الشركات الدولية انطلاقا من مصالحها الاستراتيجية، بينما تواجه الشركات التي تتأخر عن دخول السوق تحديات متزايدة في استعادة مواقع قد يسبقها إليها منافسون أكثر حضورا واستعدادا.
وهكذا، لم يعد معرض مراكش للطيران مجرد موعد لاستعراض أحدث الطائرات والتقنيات، بل أصبح مؤشرا على التحولات التي يعرفها موقع المغرب داخل الصناعات الجوية والدفاعية الدولية. وبينما تتقدم قوى صناعية كبرى لتوسيع استثماراتها وشراكاتها داخل المملكة، يظل الحضور الإسباني المحدود علامة استفهام بشأن قدرة مدريد على تحويل ثقلها التجاري إلى نفوذ صناعي وتكنولوجي يتناسب مع حجم علاقاتها الاقتصادية مع الرباط.
14/10/2026