في تطور مثير يضيف فصلاً جديداً إلى القضية التي هزّت المشهد السياسي بمدينة طنجة، أفادت معطيات بأن منير ليموري، عمدة المدينة المعتقل للاشتباه في تورطه في التلاعب بنتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة، أقدم على إيذاء نفسه داخل سجن أصيلة، في واقعتين منفصلتين تعكسان، بحسب مصادر موثوقة ، تدهوراً في حالته الصحية والنفسية خلال فترة الاعتقال.
وحسب ذات المصادر، فإن العمدة المعتقل تناول كمية كبيرة من الأدوية بقصد وضع حد لحياته، قبل أن يقدم، في واقعة ثانية، على ضرب رأسه بالحائط بشكل متكرر، وذلك بعد تلقيه المساعدة إثر الحادث الأول. ولم يتسنَّ التأكد رسمياً من تفاصيل الواقعتين لدى إدارة المؤسسة السجنية.
ويقضي لموري فترة اعتقاله بسجن أصيلة، حيث يتقاسم، وفق مقربين منه زنزانة مع نحو خمسين سجيناً، في ظروف أعادت إلى الواجهة النقاش حول الاكتظاظ داخل المؤسسات السجنية وظروف الاعتقال.
وأثارت حالته الصحية مخاوف بشأن وضعه خلال فترة الاعتقال، إذ أفاد مقربون منه تفاقم حالته الصحية، مشيرين إلى معاناته من ارتفاع ضغط الدم، فيما تحدثت مصادر أخرى عن إرهاق شديد وضغط نفسي قوي .
وعلى المستوى القضائي، قرر قاضي التحقيق بمحكمة الاستئناف بطنجة تأجيل استنطاق ليموري إلى الثالث من نونبر المقبل، بعدما نُقل إلى مقر المحكمة، قبل أن تطلب هيئة دفاعه إرجاء الجلسة بدعوى عدم قدرته الصحية على الإجابة عن أسئلة التحقيق. واستجاب القاضي للطلب، ليُعاد العمدة إلى السجن دون استنطاقه، فيما رُفض طلب الإفراج المؤقت عنه، وفق المعطيات المتداولة بشأن القضية.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتواصل فيه التحقيقات في القضية التي وضعت عمدة طنجة وحزب الأصالة والمعاصرة أمام اختبار سياسي وقضائي صعب، بعدما قرر الحزب تعليق جميع المهام التي كان يتولاها ليموري داخله، في انتظار ما ستكشف عنه التحقيقات وما ستؤول إليه المسطرة القضائية.
وتعود بداية الملف إلى الانتخابات التشريعية التي جرت في 23 شتنبر الماضي، حين أُلقي القبض على شخصين وهما ينقلان حقائب تضم أوراقاً انتخابية من أحد مراكز الاقتراع. وقادت الأبحاث إلى فندق يُشتبه في استخدامه للتلاعب بالأوراق الانتخابية بهدف خدمة الحزب الذي ينتمي إليه العمدة ، وكذلك مكتب محاسب .
وتمكنت الشرطة القضائية من استعادة تسجيلات كاميرات المراقبة بالفندق، بعدما حذفها مدير المؤسسة، كما ساعد تحليل المكالمات الهاتفية بين المشتبه فيهم على إعادة تركيب أجزاء من الوقائع والتحقق من تحركات الأشخاص المعنيين .
كما امتدت الأبحاث إلى عبد السلام بنترية، محاسب شركات ليموري العاملة في قطاع صناعة الأحذية، الذي أفادت معطيات مرتبطة بالملف بأنه أقر بالمشاركة في التأشير على أوراق انتخابية بناءً على تعليمات رئيسه. وقد شرع قاضي التحقيق في استنطاقه بالتفصيل خلال الأسبوع الجاري، في انتظار استكمال البحث وتحديد المسؤوليات وفق المساطر القانونية.
وتزداد القضية إثارة للانتباه بالنظر إلى مغادرة ليموري المغرب نحو إسبانيا في اليوم الذي خضع فيه للاستجواب الأول لدى الشرطة بطنجة. وبرر العمدة سفره بأسباب مهنية، مؤكداً عزمه العودة للمثول أمام القضاء، قبل أن يُلقى القبض عليه يوم 28 شتنبر بمطار ابن بطوطة بطنجة، فور عودته من مدينة مالقة الإسبانية. أما تفاصيل الأيام التي قضاها خارج المغرب، فقد ظلت غير واضحة بالكامل.
وإلى جانب الشق الانتخابي والقضائي، أعادت القضية تسليط الضوء على علاقات لموري التجارية بشركة “Calzados Robusta” الإسبانية، المتخصصة في صناعة الأحذية والموردة لأحذية الجيش الإسباني. ووفق المعطيات المتداولة، استحوذت الشركة سنة 2012 على 50 في المائة من شركة “Abantic”، وهي وحدة صناعية لصناعة الأحذية بطنجة مرتبطة بلموري، وكانت تنتج جزءاً من الأحذية العسكرية الإسبانية.
وفي سنة 2025، حصل تحالف شركات يضم “Robusta” وشركة إسبانية أخرى على عقد من وزارة الدفاع الإسبانية بقيمة 17.1 مليون يورو لتوريد الأحذية العسكرية. كما مُنحت تحالفات شاركت فيها الشركة عقوداً من الشرطة الوطنية الإسبانية لاقتناء الأحذية بقيمة تقارب 4.6 ملايين يورو، مع تصنيع المنتجات في الوحدة الصناعية الموجودة بطنجة.
وأكدت الشركة الإسبانية أنها أنهت شراكتها مع لموري سنة 2021، غير أن معطيات تجارية متداولة تشير إلى أن وثائق مغربية ما تزال تُظهر الهيكل السابق للمساهمات، في وقت استمر فيه الإنتاج بالمغرب. وتظل هذه المعطيات التجارية منفصلة عن مسار التحقيق الانتخابي، ما لم تثبت الجهات المختصة وجود صلة قانونية بينهما.
وبين التطورات الصحية المثيرة للقلق، وتأجيل الاستنطاق، ورفض الإفراج المؤقت، تتجه قضية عمدة طنجة نحو مرحلة أكثر حساسية، بعدما تجاوزت حدود الاشتباه في مخالفات انتخابية لتتحول إلى ملف تتقاطع فيه السياسة والقضاء والأعمال. غير أن الحسم في المسؤوليات لن يكون للتكهنات أو الروايات المتداولة، بل لما ستثبته التحقيقات والأدلة أمام القضاء، مع ضمان حق جميع المعنيين في الدفاع عن أنفسهم واحترام قرينة البراءة إلى حين صدور أحكام نهائية.
15/10/2026