كواليس الريف : متابعة
تدخل المعارضة البرلمانية بالمغرب مرحلة جديدة من الاختبار السياسي، في ظل خريطة حزبية تجمع أطرافاً متباينة في مرجعياتها وتوجهاتها، وتضعها أمام معادلة دقيقة: كيف يمكن ممارسة رقابة برلمانية قوية على الحكومة، دون السقوط في تناقضات الماضي وحسابات التنافس الحزبي؟
فوجود عدد من الأحزاب في صف المعارضة لا يعني بالضرورة قدرتها على التحرك ككتلة سياسية متجانسة، خصوصاً أن بعض مكوناتها راكم تجربة في تدبير الشأن الحكومي، بينما تستند مكونات أخرى إلى مرجعيات سياسية وإيديولوجية مختلفة، ما يجعل التنسيق بينها رهيناً بمدى قدرتها على التوافق حول الملفات المشتركة.
وفي قلب هذه المعادلة، تبرز أسئلة بشأن طبيعة الدور الذي سيلعبه حزب التجمع الوطني للأحرار، إلى جانب حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة الشعبية وتحالف اليسار، فضلاً عن النواب غير المنتسبين، ومدى استعداد هذه المكونات لتجاوز خلافاتها من أجل تفعيل الأدوات الدستورية والرقابية المتاحة داخل مجلس النواب.
معارضة بالأرقام … لكن هل تتحول إلى قوة سياسية؟
تضم المعارضة البرلمانية، وفق المعطيات الواردة، حزب التجمع الوطني للأحرار بـ66 عضواً، وحزب العدالة والتنمية بـ54 عضواً، وحزب الحركة الشعبية بـ28 عضواً، وتحالف اليسار بثمانية أعضاء، إضافة إلى ثلاثة نواب غير منتسبين.
وفي المقابل، اختار حزبا الاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية نهج ما وصفاه بـ«المساندة النقدية» للحكومة.
هذه التركيبة تكشف أن المعارضة ليست طرفاً سياسياً واحداً، بل مجموعة مكونات تختلف في تجاربها الحكومية وحساباتها التنظيمية وأولوياتها التشريعية. وهو ما يطرح تحدياً حقيقياً أمام قدرتها على بناء جبهة رقابية فعالة، خاصة عندما يتعلق الأمر بملفات حساسة تستدعي مواقف مشتركة وتنسيقاً يتجاوز التصريحات الإعلامية.
فالقوة العددية، مهما بلغت، لا تتحول تلقائياً إلى تأثير سياسي، ما لم تترجم إلى مبادرات تشريعية وأسئلة رقابية ومواقف واضحة من السياسات العمومية.
التجمع الوطني للأحرار.. معارضة تحت مجهر التجربة الحكومية
يرى عبد الرحيم العلام، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاضي عياض بمراكش، أن طبيعة أداء المعارضة ترتبط بدرجة كبيرة بمستوى أداء الحكومة، موضحاً أن المعارضة لا يمكنها الاكتفاء برفض القرارات لمجرد الاختلاف معها، بل يتعين أن تبني مواقفها على تقييم السياسات الحكومية ونتائجها.
واعتبر العلام أن ضعف الأداء الحكومي أو تعثر السياسات العمومية قد يفتح المجال أمام تنسيق أكبر بين مكونات المعارضة، حتى دون تشكيل تحالف رسمي أو عقد اجتماعات مشتركة بشكل منتظم.
ويمكن لهذا التنسيق أن يتجسد، بحسب المتحدث، في توحيد المواقف من قرارات معينة، وتكثيف الأسئلة البرلمانية الشفهية والكتابية، والاستعانة بوسائل الإعلام، فضلاً عن أشكال الاحتجاج والتعبير السياسي المتاحة.
غير أن العلام يتوقع أن يكون أداء حزب التجمع الوطني للأحرار مختلفاً عن أداء باقي مكونات المعارضة، بالنظر إلى ارتباطه بتجربة التدبير الحكومي خلال السنوات الخمس الماضية، وهو ما قد يدفعه إلى اعتماد مقاربة محسوبة في التعامل مع بعض الملفات المرتبطة بالقطاعات التي سبق أن أشرف عليها.
وفي المقابل، يرى أن حزب العدالة والتنمية قد يتحرك بهامش أوسع، بعدما أصبح خارج إكراهات المشاركة في الحكومة، وهو ما قد يتيح له رفع مستوى حضوره الرقابي والسياسي داخل المؤسسة التشريعية.
أما تحالف اليسار، فقد يجد بدوره مجالاً للتحرك انطلاقاً من مرجعيته السياسية، في حين قد يسلك حزب الحركة الشعبية إيقاعاً مختلفاً في تدبير موقعه داخل المعارضة.
لا تحالف موحداً.. لكن التنسيق ضرورة
من جانبه، يؤكد رشيد لزرق، أستاذ القانون الدستوري والعلوم السياسية ورئيس مركز شمال إفريقيا للدراسات والأبحاث وتقييم السياسات العمومية، أن اختلاف المرجعيات السياسية والإيديولوجية لا يمنع قيام تنسيق برلماني بين مكونات المعارضة، مشدداً على ضرورة التمييز بين التحالف السياسي الذي يتطلب تقارباً في البرامج والتصورات، والتنسيق المؤسساتي الذي يمكن أن يقوم على ملفات وقضايا محددة.
وأوضح لزرق أن التنسيق لا يعني بالضرورة توحيد المواقف في جميع القضايا، بل يستدعي وجود حد أدنى من الوعي المشترك بالوظيفة الدستورية للمعارضة، باعتبارها مكوناً أساسياً في التوازن البرلماني وممارسة الرقابة على العمل الحكومي.
وفي هذا السياق، استحضر المقتضيات الدستورية المرتبطة بدور المعارضة وحقوقها، ولا سيما الفصلين 10 و60 من الدستور، معتبراً أن التحدي الحقيقي يتمثل في تحويل التعدد الحزبي والوزن العددي إلى أداء رقابي وتشريعي ملموس.
وشدد المتحدث على أن التنسيق بين مكونات المعارضة ليس التزاماً قانونياً مفروضاً عليها، بقدر ما يمثل خياراً وظيفياً يمكن أن يعزز قدرتها على مساءلة الحكومة ومناقشة سياساتها، وتفعيل الآليات المتاحة داخل المؤسسة التشريعية.
خلافات داخل المعارضة.. نقطة ضعف أم دليل على التعددية؟
وبخصوص احتمال ظهور مواقف متباينة داخل صفوف المعارضة نفسها، يرى لزرق أن ذلك أمر طبيعي في ظل اختلاف المرجعيات السياسية والتقديرات الحزبية، ولا يشكل بالضرورة مؤشراً على ضعفها.
فوجود أحزاب في الموقع نفسه داخل المؤسسة التشريعية لا يفرض عليها تبني رؤية سياسية موحدة، كما أن اختلاف أساليب الاشتغال لا يمنع التوافق بشأن قضايا محددة تهم المصلحة العامة.
لكن هذا التعدد، وإن كان يعكس طبيعة المشهد الحزبي، قد يتحول إلى عامل إضعاف إذا طغت الحسابات الانتخابية والتنظيمية على مسؤولية مراقبة الحكومة، أو إذا عجزت المكونات المعارضة عن الاتفاق على أولويات واضحة.
ويعتبر لزرق أن قوة المعارضة لا تقاس بمدى تجانسها الإيديولوجي أو انتظامها في تحالف موحد، بل بقدرتها على تدبير اختلافاتها وتحويلها إلى عمل برلماني منسق، يضمن التوازن بين الأغلبية والمعارضة.
الامتحان الحقيقي يبدأ من الملفات الاجتماعية
بعيداً عن الحسابات الحزبية والتجاذبات السياسية، يبقى الرهان الأساسي أمام المعارضة هو قدرتها على تقديم بدائل عملية وممارسة رقابة فعالة على السياسات العمومية، خصوصاً في الملفات التي تمس الحياة اليومية للمواطنين.
فالمواطن لا ينتظر فقط تسجيل المواقف أو تبادل الانتقادات تحت قبة البرلمان، بل يتطلع إلى مساءلة واضحة بشأن الحصيلة الحكومية، وكشف مكامن الخلل، واقتراح حلول قابلة للتنفيذ.
ومن هنا، فإن نجاح المعارضة الجديدة سيظل مرتبطاً بمدى قدرتها على الانتقال من مجرد الاصطفاف السياسي إلى ممارسة مؤسساتية منتجة، تستثمر الأدوات الدستورية في الدفاع عن المصلحة العامة، وتضع الحكومة أمام مسؤولياتها السياسية.
وفي المحصلة، لا يبدو أن التحدي الأكبر أمام المعارضة يتمثل في اختلاف مكوناتها بقدر ما يكمن في قدرتها على تدبير هذا الاختلاف. فإما أن يتحول التنوع الحزبي إلى مصدر للقوة والرقابة الفعالة، وإما أن تبقى مكوناتها منشغلة بحساباتها الخاصة، تاركة المجال أمام الأغلبية لتدبير المرحلة بأقل قدر من الضغط البرلماني.
ويبقى السؤال المطروح: هل تنجح المعارضة في فرض حضورها داخل البرلمان عبر تنسيق عملي حول القضايا الكبرى، أم أن تباين مرجعياتها وتجاربها الحكومية سيجعلها أمام معارضة متعددة الاتجاهات، لكنها محدودة التأثير؟
16/10/2026