kawalisrif@hotmail.com

الناظور في قبضة الركود الاقتصادي منذ أكثر من 7 سنوات … مارتشيكا تخفق في استقطاب المستثمرين وتصميم التهيئة يثير المخاوف

الناظور في قبضة الركود الاقتصادي منذ أكثر من 7 سنوات … مارتشيكا تخفق في استقطاب المستثمرين وتصميم التهيئة يثير المخاوف

مليارات الدراهم من الاستثمارات المنتظرة، ومشاريع لم ترق إلى مستوى الوعود، وعقار تحاصره إشكالات التعمير … هل تحولت مدينة الناظور ومشروع مارتشيكا من رافعة منتظرة للإقلاع الاقتصادي إلى عنوان لسنوات من الانتظار؟

لم يعد الركود الاقتصادي الذي يطبع إقليم الناظور مجرد انطباع يتداوله المواطنون والفاعلون الاقتصاديون، بل أصبح موضوعاً يفرض نفسه بإلحاح كلما طُرح سؤال الاستثمار وفرص الشغل ومستقبل التنمية بالإقليم، الذي ظل لأكثر من سبع سنوات ينتظر تحول مؤهلاته الجغرافية والطبيعية إلى مشاريع حقيقية تحرك الاقتصاد وتفتح آفاقاً جديدة أمام الساكنة.

فبالرغم من الرهانات الكبيرة التي رافقت مشروع تهيئة بحيرة مارتشيكا، وما ارتبط به من وعود بتحويل الناظور إلى قطب سياحي وعقاري واستثماري، فإن الحصيلة الاقتصادية تظل محل تساؤلات وانتقادات متزايدة، في ظل استمرار الحديث عن مشاريع متعثرة، وضعف استقطاب الاستثمارات الخاصة، ومحدودية انعكاس الأوراش المنجزة على الحياة الاقتصادية اليومية.

والمفارقة أن إقليماً يتوفر على واجهة بحرية متميزة، ومؤهلات سياحية مهمة، ومشروع مينائي استراتيجي بحجم الناظور غرب المتوسط، لا يزال يواجه أسئلة جوهرية بشأن قدرته على خلق دينامية اقتصادية مستدامة، في وقت ينتظر فيه الشباب فرص الشغل، ويبحث فيه رجال الأعمال عن شروط واضحة لإطلاق مشاريعهم وتوسيع أنشطتهم.

منذ إطلاق مشروع مارتشيكا سنة 2008، جرى تقديمه باعتباره ورشاً استراتيجياً قادراً على إعادة تشكيل مستقبل الناظور، عبر تطوير السياحة والعقار والخدمات واستقطاب المستثمرين، في إطار مشروع عملاق وطموح ، كلف خزينة الدولة آلاف الملايير .

لكن مرور السنوات يفرض اليوم الانتقال من لغة الوعود والتصورات إلى لغة الحصيلة: كم مشروعاً استثمارياً دخل فعلياً مرحلة الاستغلال؟ وكم فرصة شغل مستدامة أُحدثت؟ وما حجم الاستثمارات الخاصة التي جرى استقطابها؟ وإلى أي حد استفاد الاقتصاد المحلي من الأموال التي ضُخت في هذا الورش؟

هذه الأسئلة ليست تفصيلاً ثانوياً، بل تمثل جوهر التقييم المطلوب لمشروع طالما عُلقت عليه آمال كبيرة. فنجاح مارتشيكا لا يمكن قياسه فقط بالأوراش العمرانية أو عمليات التأهيل البيئي، مهما كانت أهميتها، بل بقدرته على خلق قيمة اقتصادية مضافة، وتحريك المقاولات المحلية، وجذب رؤوس الأموال، وتحويل المنطقة إلى فضاء منتج لفرص الشغل.

إن استمرار طرح هذه الأسئلة بعد سنوات طويلة من إطلاق المشروع يكشف الحاجة إلى تقييم علني وشفاف لحصيلته، مع التمييز بين ما أُنجز فعلياً، وما لا يزال في طور البرمجة، وما تعثر أو لم يتحقق وفق الأهداف التي رُسمت له.

وإذا كان ضعف الدينامية الاستثمارية يطرح علامات استفهام حول حصيلة المشاريع الكبرى، فإن تصميم التهيئة الجديد لموقع بحيرة مارتشيكا أعاد إلى الواجهة مخاوف بشأن مستقبل الاستثمار والعقار بالإقليم.

فبدلاً من أن يشكل التصميم مناسبة لحسم الإشكالات العمرانية وتوفير رؤية واضحة أمام المستثمرين، أثارت مقتضياته تحفظات مرتبطة بتصنيف الأراضي، وإمكانات البناء، وشروط استغلال العقارات، ومدى ملاءمة بعض التوجهات مع الواقع العمراني وحاجيات التنمية.

وتكتسي هذه التخوفات أهمية خاصة في منطقة تحتاج إلى استثمارات جديدة، لأن المستثمر لا يمكنه ضخ أمواله في مشروع سياحي أو تجاري أو عقاري دون وضوح بشأن طبيعة الأرض، وشروط البناء، والمساطر المطلوبة، والآجال التي تستغرقها التراخيص.

وعندما تصبح هذه المعطيات محل تساؤل أو خلاف، فإن النتيجة المحتملة هي تأجيل المشاريع، أو إعادة النظر فيها، أو البحث عن وجهات استثمارية أخرى توفر شروطاً أكثر وضوحاً واستقراراً.

وقد أثارت مقتضيات مرتبطة بالأراضي المصنفة فلاحية، وبشروط إنجاز بعض المشاريع والمساحات المطلوبة، نقاشاً بين فاعلين محليين وملاك عقارات ومنتخبين. وتبقى تفاصيل هذه المقتضيات وآثارها الفعلية بحاجة إلى قراءة دقيقة في ضوء الوثائق المعتمدة، لكن المؤكد أن الجدل حولها يطرح ضرورة توضيح كيفية التوفيق بين حماية المجال البيئي والعمراني وبين توفير شروط واقعية لجذب الاستثمار.

وبعد المصادقة على التصميم المعدل مؤخرا ، لم يعد الرهان متعلقاً بإخراج الوثيقة إلى الوجود فقط، بل بكيفية تنزيلها، ومدى قدرتها على إزالة الغموض عن المشاريع، ومعالجة الإشكالات المطروحة، وتوفير رؤية يمكن للمستثمرين الاعتماد عليها في قراراتهم.

فما الجدوى من الحديث عن استقطاب المستثمرين إذا لم تكن شروط الاستثمار واضحة بما يكفي، في ظل عراقيل الإدارة … وما قيمة المؤهلات الطبيعية إذا ظلت المشاريع المنتظرة تصطدم بمشاكل عقارية أو عمرانية لم تُحسم؟

وفي سياق يعكس حجم الإشكالات المطروحة، تحدثت تقارير صحفية محلية عن وجود حوالي 60 مشروعاً استثمارياً كبيرا او متوسطا خاصاً متعثراً بالناظور، وخصوصا بنفوذ وكالة تهيئة بحيرة مارتشيكا، بقيمة إجمالية كبيرة، وهي معطيات تستدعي توضيحاً رسمياً بشأن طبيعة المشاريع المعنية، ومراحل تقدمها، والأسباب الحقيقية التي حالت دون إنجازها.

هذا الأمر يطرح سؤالاً مباشراً حول حجم الفرص الاقتصادية التي يمكن أن تضيع بسبب تعثر المشاريع، وما يترتب عن ذلك من تأخير في خلق فرص الشغل وتحريك قطاعات البناء والتجارة والخدمات والسياحة.

ولا يكفي في هذا السياق إرجاع جميع العراقيل إلى عامل واحد، سواء تعلق الأمر بالتعمير أو التمويل أو المساطر الإدارية، بل المطلوب هو تشخيص كل حالة على حدة، وتحديد المسؤوليات والاختصاصات، ووضع حلول قابلة للتنفيذ ضمن آجال واضحة.

فالإقليم الذي ينتظر إقلاعاً اقتصادياً لا يحتاج إلى مزيد من الدوران في حلقة التشخيص، بقدر ما يحتاج إلى قرارات عملية تفتح الطريق أمام المشاريع الجاهزة، وتعالج الملفات العالقة، وتضمن للمستثمرين وضوحاً قانونياً وإدارياً يحمي استثماراتهم.

وتزداد حدة المفارقة مع الرهانات المرتبطة بمشروع ميناء الناظور غرب المتوسط، الذي يُنتظر أن يفتح آفاقاً واسعة أمام الأنشطة الصناعية واللوجستية والتجارية.

فالميناء يمكن أن يشكل نقطة تحول في الاقتصاد الإقليمي، لكن أثره لن يكون تلقائياً أو مضموناً بمجرد دخوله مرحلة التشغيل. إذ يحتاج إلى محيط اقتصادي جاهز، ومناطق مهيأة لاستقبال المستثمرين، ومقاولات قادرة على الاندماج في سلاسل التوريد والخدمات، وتنسيق فعلي بين مختلف المؤسسات المعنية.

وإذا لم تتكامل هذه الشروط مع إصلاح إشكالات العقار والتعمير، فقد يجد الإقليم نفسه أمام بنية مينائية استراتيجية لا تستثمر جميع إمكاناتها في خلق دينامية اقتصادية واسعة داخل الناظور والدريوش ومحيطهما.

وهنا تبرز ضرورة ربط مشروع مارتشيكا بالتحولات المنتظرة في محيط الميناء، حتى لا يسير الورشان في مسارين منفصلين، بل يتحولا إلى رافعتين متكاملتين للتشغيل والاستثمار وتطوير الاقتصاد المحلي.

بعد أكثر من سبع سنوات من الركود التجاري والاقتصادي ، الذي يتحدث عنه الفاعلون الإقتصاديون المحليون، لم يعد كافياً تقديم تصورات جديدة أو الإعلان عن برامج مستقبلية دون الكشف عن النتائج المحققة على الأرض.

المطلوب اليوم هو نشر حصيلة واضحة لاستثمارات مارتشيكا، والعراقيل التي يتعرض لها مستثمرون آخرون في مختلف مناطق الإقليم ، وتحديد المشاريع التي دخلت مرحلة الإنجاز والاستغلال، وتوضيح أسباب تعثر المشاريع الأخرى، والكشف عن حجم الاستثمارات الخاصة التي جرى استقطابها فعلياً، وعدد مناصب الشغل التي أُحدثت، ومدى انعكاس ذلك على الاقتصاد المحلي.

كما أصبح من الضروري تقييم أثر تصميم التهيئة الجديد لمارتشيكا على جاذبية المنطقة، ومدى استجابته لانتظارات المستثمرين ورجال الأعمال، مع فتح نقاش مؤسساتي مسؤول حول المقتضيات التي أثارت تحفظات، دون المساس بضرورة حماية البيئة واحترام القوانين.

إن الناظور لا يفتقر إلى المؤهلات، بل يحتاج إلى تحويلها إلى فرص اقتصادية ملموسة. ولا تنقصه المشاريع الكبرى من حيث الأسماء والطموحات، بقدر ما يحتاج إلى ضمان التكامل بينها، وتسريع التنفيذ، وتوفير مناخ استثماري واضح وشفاف.

وفي المحصلة، فإن مارتشيكا تقف اليوم أمام اختبار حقيقي: إما أن تتحول إلى رافعة فعلية لاستقطاب الاستثمارات وخلق فرص الشغل، وإما أن يستمر النقاش حول مشروع كبير لم تنعكس نتائجه الاقتصادية، بالقدر المنتظر، على واقع الإقليم.

أما تصميم التهيئة الجديد، فستُقاس أهميته بقدر ما سيساهم في فتح المجال أمام المشاريع الجادة، وعدم الإضرار بأراضي المستثمرين والمقاولين … وليس بمجرد المصادقة عليه .

لقد طال انتظار الناظور، ولم يعد مقبولاً أن تظل المؤهلات الكبرى حاضرة في الخطابات، بينما يظل السؤال الاقتصادي والاجتماعي معلقاً: أين هي الاستثمارات المنتجة، وأين هي فرص الشغل التي انتظرها أبناء الإقليم طوال هذه السنوات؟

17/10/2026

مقالات خاصة

Related Posts