kawalisrif@hotmail.com

قانون مالية 2027 القدرة الشرائية والتشغيل والتنمية الترابية والسيادة والاستثمار … خمس أولويات كبرى أمام الحكومة الجديدة

قانون مالية 2027 القدرة الشرائية والتشغيل والتنمية الترابية والسيادة والاستثمار … خمس أولويات كبرى أمام الحكومة الجديدة

حدد المجلس الوزاري الذي ترأسه الملك محمد السادس، يوم السبت 17 أكتوبر 2026، خمسة توجهات رئيسية ستؤطر مشروع قانون المالية لسنة 2027، في خطوة تعكس توجه الحكومة الجديدة نحو الجمع بين تعزيز الحماية الاجتماعية، وتحسين القدرة الشرائية للمواطنين، وإدماج الشباب في سوق الشغل، وتقليص الفوارق المجالية، وتقوية السيادة الاقتصادية والاستراتيجية للمملكة.

وتكشف التوجهات المعلنة عن سعي إلى الانتقال من تدبير البرامج القطاعية المتفرقة إلى اعتماد مقاربة أكثر تكاملاً، تربط بين الإصلاحات الاجتماعية والاقتصادية والاستثمار العمومي، مع إعطاء أهمية خاصة لإصلاح الأسواق والأسعار، وتسريع التنمية الترابية، وتوفير الشروط اللازمة لخلق فرص الشغل وتحفيز الاستثمار الخاص.

وتتصدر القدرة الشرائية للمواطنين وتعزيز ركائز الدولة الاجتماعية قائمة الأولويات المحددة لمشروع قانون المالية المقبل، من خلال التوجه نحو الشروع، ابتداءً من سنة 2027، في إصلاح هيكلي للأسواق والأسعار، إلى جانب اتخاذ تدابير جديدة لدعم القدرة الشرائية للأسر، والرفع من قيمة الدعم الاجتماعي المباشر، ومواصلة تعميم التغطية الصحية مع الحرص على ضمان الاستدامة المالية لأنظمتها.

كما تشمل هذه التوجهات مواصلة تأهيل المستشفيات والمؤسسات التعليمية العمومية، باعتبارهما من المرافق الأساسية التي يرتبط بها تحسين جودة الخدمات المقدمة للمواطنين، فضلاً عن استمرار برنامج الدعم المباشر للسكن، بهدف تسهيل الولوج إلى سكن لائق.

ويكتسي الإعلان عن إصلاح هيكلي للأسواق والأسعار أهمية خاصة ضمن هذه التوجهات، بالنظر إلى ارتباطه المباشر بكلفة المعيشة والقدرة الشرائية للأسر. غير أن المعطيات المعلنة لم تحدد بعد طبيعة التدابير التي سيشملها هذا الإصلاح، ولا القطاعات أو المواد المعنية به، كما لم تكشف عن الآليات التي ستعتمدها الحكومة لتحقيق أثر ملموس على أسعار الاستهلاك. وهي تفاصيل ينتظر أن تتضح مع نشر مشروع قانون المالية والوثائق المرافقة له.

وعلى مستوى التشغيل، تراهن التوجهات الجديدة على إطلاق برنامج وطني مندمج لفائدة الشباب خلال الفترة الممتدة من 2027 إلى 2031، في محاولة لتجاوز محدودية المقاربات القطاعية المتفرقة، والانتقال إلى سياسة أكثر شمولاً تواكب الشباب في مختلف مراحل مسارهم، من التعليم والتكوين إلى الاندماج المهني والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.

ويقوم هذا التوجه على ربط منظومة التعليم والتكوين بحاجيات سوق الشغل، وتوفير المواكبة المهنية للشباب، وتيسير استفادتهم من التمويل والضمانات والولوج إلى الأسواق، بما يعزز فرصهم في إطلاق المشاريع والمشاركة في الدورة الاقتصادية.

ولا يقتصر البرنامج المرتقب على معالجة إشكالية التشغيل بمعناها الضيق، بل يمتد ليشمل السكن والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، في توجه يروم التعامل مع مختلف العوامل التي تؤثر في إدماج الشباب، وربط التكوين بفرص الشغل والإنتاج والاستقلال الاقتصادي.

ومع ذلك، لم تتضمن التوجهات المعلنة تفاصيل بشأن الكلفة الإجمالية لهذا البرنامج، أو عدد المستفيدين المستهدفين، أو حجم فرص الشغل المرتقب إحداثها، وهي عناصر ستكون أساسية لتقييم مدى قدرته على الاستجابة لانتظارات الشباب وتجاوز الاختلالات التي طبعت بعض البرامج السابقة.

وفي ما يتعلق بالتنمية الترابية، برز تخصيص 25 مليار درهم لبرامج التنمية الترابية المندمجة باعتباره أبرز التزام مالي محدد في التوجهات المعلنة لمشروع قانون المالية لسنة 2027.

ويرتبط هذا التوجه بتسريع تنفيذ الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، وإعادة هندسة اختصاصات الجهات وتوضيح مسؤولياتها، إلى جانب تعزيز التعاقد والتنسيق بين الدولة والجهات، والتفعيل الكامل لميثاق اللاتمركز الإداري، بما يتيح تسريع إنجاز المشاريع التنموية وتحسين التنسيق بين مختلف المتدخلين.

ويعكس هذا الاختيار توجهاً نحو تعزيز دور الجهات في تدبير التنمية المحلية، وربط السياسات العمومية بالاحتياجات الفعلية للمجالات الترابية، مع السعي إلى تقليص الفوارق بين المناطق وتحسين توزيع الاستثمارات والخدمات الأساسية.

لكن الإعلان عن مبلغ 25 مليار درهم لا يجيب، في حد ذاته، عن جميع الأسئلة المرتبطة بتنزيل هذه البرامج، إذ لم يتم تحديد كيفية توزيع الاعتمادات بين الجهات والقطاعات والمشاريع، كما لم تتضح بعد المدة الزمنية التي سيغطيها هذا التمويل، وما إذا كان مخصصاً لسنة مالية واحدة أو موزعاً على فترة أطول.

وفي موازاة الأولويات الاجتماعية والترابية، وضعت التوجهات الجديدة السيادة المائية والطاقية والغذائية والرقمية ضمن المجالات الاستراتيجية التي يتعين مواصلة الاستثمار فيها، بالنظر إلى ارتباطها بالأمن الاقتصادي للمملكة وقدرتها على مواجهة التقلبات والضغوط الخارجية.

وفي هذا الإطار، تتجه الحكومة إلى تسريع مشاريع الأمن المائي، ومواصلة تطوير الطاقات المتجددة، واستكمال تنزيل عرض المغرب في مجال الهيدروجين الأخضر، إلى جانب التنفيذ التدريجي لخارطة طريق البنية التحتية للغاز، واتخاذ تدابير لتعزيز الأمن الغذائي وتقوية السيادة الرقمية الوطنية.

ويكشف جمع هذه الملفات ضمن محور واحد عن توجه يروم التعامل مع السيادة الاستراتيجية باعتبارها منظومة مترابطة، تشمل تأمين الموارد المائية والغذائية، وتنويع مصادر الطاقة، وتطوير البنيات التحتية الضرورية للتحول الاقتصادي والرقمي.

غير أن التوجهات المعلنة لم تقدم اعتمادات مالية مستقلة لكل مجال من هذه المجالات، كما لم تحدد بالتفصيل حجم الاستثمارات المبرمجة أو آجال إنجاز مختلف المشاريع، ما يجعل الوثائق التفصيلية لمشروع قانون المالية ضرورية لتحديد الأولويات التنفيذية وحجم الموارد المرصودة لكل قطاع.

أما في ما يخص الاستثمار وتمويل الاقتصاد، فتراهن التوجهات المرتبطة بقانون المالية لسنة 2027 على مواصلة الإصلاحات المؤسساتية، والحفاظ على استقرار التوازنات المالية والاقتصادية، وتوفير التمويل اللازم للمشاريع الكبرى والاستراتيجيات القطاعية.

كما تشمل هذه الأولويات تطوير منظومات صناعية سيادية جديدة، وتعزيز دعم الاستثمار الخاص في إطار ميثاق الاستثمار، ومواصلة إصلاح المراكز الجهوية للاستثمار، مع إيلاء اهتمام خاص بالمقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة.

ويعكس هذا التوجه محاولة لتحقيق التوازن بين تمويل البرامج الاجتماعية والحفاظ على قدرة الاقتصاد الوطني على النمو، من خلال تحفيز الاستثمار وتطوير النسيج الإنتاجي وتوسيع فرص التشغيل، مع استمرار التشديد على الانضباط المالي والحفاظ على استقرار المؤشرات الاقتصادية الأساسية.

وتكتسي المقاولات الصغيرة جداً والصغرى والمتوسطة أهمية خاصة في هذا السياق، بالنظر إلى دورها في تنشيط الاقتصاد المحلي وتوفير فرص الشغل، غير أن مدى استفادتها الفعلية من التدابير المرتقبة سيظل مرتبطاً بطبيعة آليات الدعم والتمويل والمواكبة التي ستعتمدها الحكومة، وبمدى قدرتها على تيسير الاستثمار وتحسين مناخ الأعمال.

وبخصوص المؤشرات الاقتصادية المصاحبة لهذه التوجهات، تشير التوقعات المتعلقة بنهاية سنة 2026 إلى تحقيق معدل نمو اقتصادي في حدود 4.7 في المائة، مقابل تضخم متوقع عند 0.7 في المائة، وعجز في الميزانية يقدر بنحو 3 في المائة.

وتظل هذه الأرقام توقعات تخص سنة 2026، ولا ينبغي التعامل معها باعتبارها أهدافاً نهائية للنمو والتضخم والعجز برسم سنة 2027، إذ يتطلب تحديد المؤشرات المستهدفة للسنة المالية المقبلة الاطلاع على مشروع قانون المالية والفرضيات الاقتصادية التي سيعتمدها.

ورغم وضوح المحاور الخمسة التي ستؤطر مشروع قانون المالية المقبل، فإن عدداً من التفاصيل الأساسية لا يزال غير محسوم في المعطيات المعلنة، وفي مقدمتها قيمة الزيادة المرتقبة في الدعم الاجتماعي المباشر، والكلفة الإجمالية للبرنامج الوطني المندمج للشباب، والاعتمادات المخصصة للصحة والتعليم، والتدابير العملية المرتبطة بإصلاح الأسواق والأسعار، فضلاً عن كيفية توزيع مبلغ 25 مليار درهم المعلن عنه لفائدة التنمية الترابية المندمجة.

وتبقى هذه المعطيات ضرورية لتقييم مدى قدرة التوجهات العامة على التحول إلى إجراءات عملية تستجيب لانتظارات المواطنين، وتحقق أثراً ملموساً على مستوى الخدمات العمومية والقدرة الشرائية وفرص الشغل وتقليص الفوارق المجالية.

وبذلك، يضع مشروع قانون المالية لسنة 2027 الحكومة الجديدة أمام تحدي التوفيق بين الالتزامات الاجتماعية ومتطلبات الاستثمار والتنمية، في ظل الحرص على الحفاظ على التوازنات المالية والاقتصادية. وسيكون الرهان الأساسي عند تقديم المشروع أمام البرلمان هو مدى ترجمة هذه الأولويات إلى اعتمادات مالية واضحة، وبرامج محددة الأهداف والآجال، وآليات تنفيذ قابلة للتتبع والتقييم، بما يسمح بقياس النتائج الفعلية بدل الاكتفاء بإعلان التوجهات العامة.

17/10/2026

مقالات خاصة

Related Posts