kawalisrif@hotmail.com

“اكتساح” إسباني على الورق وقلق من صعود المغرب في العمق … حين تتحول الفرقاطات إلى استعراض إعلامي لاحتواء طموح البحرية الملكية

“اكتساح” إسباني على الورق وقلق من صعود المغرب في العمق … حين تتحول الفرقاطات إلى استعراض إعلامي لاحتواء طموح البحرية الملكية

في مشهد أقرب إلى استعراض الثقة بالنفس منه إلى التحليل العسكري المتوازن، اختارت صحيفة “إل إندبندينتي” الإسبانية رفع شعار “الاكتساح العسكري” وهي تتحدث عن الفارق بين البحرية الإسبانية والبحرية الملكية المغربية، مقدمةً جرداً للقطع البحرية والغواصات وأنظمة القتال الإسبانية، وكأن تعداد السفن وحده يكفي لإعلان الفائز في معادلات القوة، أو كأن موازين الجغرافيا والاستراتيجية والمصالح يمكن اختزالها في مباراة كرة قدم تُحسم نتيجتها قبل أن تبدأ.

المقال لا يخفي نبرته المتعالية؛ فعبارات من قبيل “لا مجال للمقارنة” و”نكتسحهم بفارق كبير” تكشف أن الأمر يتجاوز عرض المعطيات العسكرية إلى صناعة انطباع سياسي ونفسي مفاده أن المغرب، مهما طوّر قدراته الدفاعية، سيظل في نظر بعض المنابر الإسبانية الطرف الذي ينبغي تذكيره باستمرار بتفوق إسبانيا. غير أن السؤال الذي يستحق الطرح ليس ما إذا كانت إسبانيا تتوفر على حاملة طائرات وفرقاطات وغواصات متطورة، فهذه معطيات يمكن مناقشتها بالأرقام، وإنما لماذا تحتاج صحيفة إسبانية إلى كل هذا الاستعراض في لحظة تقر فيها بنفسها بأن المغرب يعزز قدراته العسكرية، ويوسع حضوره البحري، ويرفع منسوب طموحه الاستراتيجي.

والأكثر إثارة أن المقال يستند إلى تصريحات مصادر من قطاع الدفاع والأمن، ثم يقدم خلاصات واسعة تحت عنوان “الاكتساح”، من دون أن يضع القارئ أمام دراسة مقارنة متكاملة تشمل الجاهزية العملياتية، وتكاليف التشغيل والصيانة، وقدرات الاستطلاع والمراقبة، والدفاع الساحلي، والأنظمة الصاروخية، والتكامل بين القوات الجوية والبحرية، وسلاسل الإمداد، والقدرة على الاستمرار في العمليات. فالتفوق في عدد من المنصات البحرية لا يعني تلقائياً التفوق في جميع السيناريوهات، كما أن امتلاك منظومة تسليح متقدمة لا يحسم وحده نتائج أي مواجهة افتراضية. أما تحويل تصريحات انتقائية إلى نتيجة نهائية عنوانها “الاكتساح”، فذلك أقرب إلى صناعة العناوين المثيرة منه إلى التحليل العسكري الذي يفترض فيه التمييز بين المعطيات والاستنتاجات.

واللافت أن الصحيفة نفسها تقدم، داخل المقال، ما يكفي لتقويض جانب من خطابها المتعالي. فهي تقر بأن المغرب يمتلك ست فرقاطات، من بينها الفرقاطة المتطورة “محمد السادس” من فئة “فريم”، إلى جانب ثلاث فرقاطات من فئة “سيغما”، وتعترف بأن البحرية الملكية المغربية تنتقل تدريجياً من التركيز التقليدي على حماية السواحل إلى بناء أسطول ذي قدرات أوسع في أعالي البحار. كما تسلط الضوء على القاعدة البحرية بالقصر الصغير، التي ترى فيها منشأة مرشحة للاضطلاع بدور محوري في مستقبل البحرية الملكية، بما يعكس أهمية البنية التحتية في مسار تحديث القدرات البحرية وتوسيع نطاق المهام الدفاعية.

وهنا تحديداً تكمن المفارقة: إذا كان المغرب، وفق رواية الصحيفة نفسها، لا يزال بعيداً عن مستوى القدرات البحرية الإسبانية، فلماذا كل هذا التركيز على مسار تطور البحرية الملكية؟ ولماذا يتحول مشروع قاعدة بحرية مغربية إلى محور أساسي في مقال يرفع منذ عنوانه راية التفوق الإسباني؟ إن القوة لا تقاس فقط بما تملكه الدولة اليوم، بل أيضاً بالمسار الذي تسلكه، والاستثمارات التي توجهها، والبنية التحتية التي تؤسسها، والخيارات الاستراتيجية التي تهيئها للمستقبل. فالتقييم العسكري الرصين لا يكتفي بصورة آنية، بل يدرس اتجاهات التطور وقدرة كل دولة على تحويل استثماراتها إلى إمكانات فعلية.

المغرب لا يحتاج إلى إنكار الفارق القائم بين الأسطولين حتى يرفض الخطاب المتعالي. فمن الطبيعي أن تختلف قدرات بلد عضو في حلف شمال الأطلسي، يمتلك تاريخاً بحرياً وصناعياً عريقاً، عن قدرات بلد يواصل تحديث قواته المسلحة وتوسيع إمكاناته الدفاعية. لكن الفارق بين الاعتراف الموضوعي بهذا الواقع وتحويله إلى مادة للاستعلاء السياسي فارق كبير. فالتحديث العسكري المغربي ليس إعلاناً للحرب على إسبانيا، ولا ينبغي تصوير كل استثمار دفاعي مغربي وكأنه رسالة تهديد موجهة إلى الضفة الشمالية، بل هو جزء من خيارات دولة ذات سيادة تسعى إلى تطوير قدراتها وحماية مصالحها في محيط إقليمي ودولي متغير.

وتزداد دلالة هذا المسار بالنظر إلى حجم الموارد التي يخصصها المغرب للدفاع عن أمنه ومصالحه الاستراتيجية. فقد ارتفعت حصة الإنفاق العسكري المغربي من الناتج الداخلي الإجمالي من 3.44 في المائة عام 2024 إلى نحو 3.54 في المائة عام 2025، وفق البيانات المستندة إلى قاعدة بيانات الإنفاق العسكري لمعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI). وتشير البيانات المحدثة إلى أن المغرب حل في المرتبة الرابعة عشرة عالمياً من حيث الإنفاق العسكري نسبةً إلى الناتج الداخلي الإجمالي، وليس الخامسة عشرة. وتبرز هذه الأرقام حجم الجهد المالي الذي يخصصه المغرب للدفاع، من دون أن تكون وحدها كافية للحكم على مستوى القدرات العسكرية أو نتائج أي مواجهة افتراضية.

فبناء القوة لا يتحقق باقتناء قطعة بحرية هنا أو تحديث منظومة تسليح هناك، وإنما يتطلب رؤية طويلة الأمد تجمع بين تطوير التجهيزات، وتعزيز الجاهزية، وتحديث البنية التحتية، وتنويع الشراكات، وتوفير الموارد اللازمة لحماية المصالح الوطنية. ومن هذا المنطلق، فإن اختزال مستقبل البحرية الملكية المغربية في مقارنة عدد الفرقاطات والغواصات التي يمتلكها كل طرف اليوم يتجاهل حقيقة أساسية، وهي أن موازين القدرات تتأثر أيضاً بمسارات الاستثمار والتحديث وتراكم الخبرة. أما تصوير هذا التوجه باعتباره مصدر قلق بحد ذاته، فيخلط بين حق المغرب السيادي في تطوير دفاعاته وبين الادعاء بوجود نية عدائية لا تثبتها أرقام الإنفاق العسكري وحدها.

والأشد دلالة أن المقال يستحضر المادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي باعتبارها مظلة حماية لإسبانيا، قبل أن يتحدث عن الحرب الهجينة باعتبارها المجال الذي يمكن أن يمارس فيه المغرب الضغط على مدريد. وهنا تنتقل الصحيفة من مقارنة الأسلحة إلى قراءة سياسية تنطوي على قدر واضح من الشك في النوايا المغربية، من دون أن تقدم في النص المعروض أدلة محددة تثبت الاتهامات التي توحي بها هذه المقاربة. فالحرب الهجينة مفهوم واسع يشمل أنماطاً متعددة من الضغط السياسي والإعلامي والاقتصادي والسيبراني، ولا يجوز تحويله إلى تهمة جاهزة تُلصق بدولة لمجرد أنها تطور علاقاتها الدولية وتدافع عن مصالحها.

وإذا كانت مدريد مطمئنة إلى مظلة الناتو، فذلك شأنها الاستراتيجي، لكنه لا يمنح أي منبر إعلامي حق التعامل مع المغرب باعتباره خصماً دائماً أو تهديداً محتملاً ينبغي إخضاعه باستمرار لميزان التفوق الإسباني. فالعلاقات المغربية الإسبانية لا تختزلها الحسابات العسكرية، بل تقوم أيضاً على الجوار الجغرافي، والمصالح الاقتصادية، والتعاون الأمني، والتبادل التجاري، والملفات المشتركة التي لا يمكن تدبيرها بمنطق الاستعراض أو الاستفزاز الإعلامي. كما أن استقرار المنطقة يقتضي قراءة التطورات الأمنية في سياقها الواقعي، بعيداً عن تضخيم المخاوف أو تحويل التحديث الدفاعي إلى مادة للتأويل السياسي.

ثم تأتي الأرقام الاقتصادية لتكشف تناقضاً آخر في الخطاب. فالصحيفة نفسها تتحدث عن مبادلات تجارية تتجاوز 22 مليار يورو سنوياً، وعن موقع متقدم لإسبانيا في التجارة والاستثمار بالمغرب، لكنها تقدم العلاقة في الوقت نفسه من زاوية الضغط والرهان على تفوق القوة. أليس من الأجدى أن تنظر مدريد إلى هذه المصالح باعتبارها رصيداً استراتيجياً مشتركاً، لا ورقة ضغط أحادية الجانب؟ إن الاقتصاد الذي يربط البلدين لا يعكس حاجة المغرب إلى إسبانيا وحدها، بل يكشف أيضاً عن تشابك المصالح واعتماد قطاعات وشركات إسبانية على السوق المغربية وعلى فرص التعاون مع المملكة.

والمفارقة الأكثر إحراجاً للخطاب الإسباني أن المقال يتوقف عند سفينة “أفانتي 1800″، التي بنتها شركة “نافانتيا” الإسبانية لصالح البحرية الملكية المغربية، ويشير إلى ارتفاع الصادرات العسكرية الإسبانية إلى المغرب بأكثر من 40 في المائة خلال عام 2025، من 21 مليون يورو إلى 29.6 مليون يورو. وهكذا، بينما يستعرض المقال التفوق البحري الإسباني بلغة توحي بأن المغرب يقف على هامش المعادلة، تكشف الأرقام عن تعاون صناعي وعسكري قائم، وعن مصالح اقتصادية تتحرك على الأرض بعيداً عن الضجيج الذي تصنعه بعض العناوين. وهي مفارقة تستحق التأمل، لأن العلاقات الدفاعية والتجارية لا تنسجم مع اختزال الجار في صورة خصم دائم.

ولا يعني هذا التعاون أن المغرب يعتمد على مصدر واحد لتطوير قدراته، ولا أن العلاقات الدفاعية بين البلدين ستظل ثابتة إلى الأبد. فالدول التي تخطط لمستقبلها تنوع شراكاتها، وتبحث عن التكنولوجيا والخبرة، وتوازن بين احتياجاتها الدفاعية ومصالحها الاستراتيجية. والمغرب، وهو يوسع قاعدته الصناعية ويستقطب الاستثمارات ويطور بنيته التحتية، ليس مطالباً بالبقاء داخل الصورة التي يرسمها له الإعلام الإسباني، ولا بأن يستأذن أحداً قبل تحديث مؤسساته الدفاعية. فتنويع مصادر التجهيز والخبرة يندرج ضمن الخيارات السيادية التي تعتمدها الدول لتعزيز استقلالية قرارها وقدرتها على الاستجابة للتحولات.

أما الحديث عن الغواصات، فيقدم مثالاً إضافياً على الفرق بين عرض واقع قائم والتنبؤ بالمستقبل. صحيح أن المقال يشير إلى أن المغرب لا يمتلك غواصات ضمن أسطوله الحالي، بينما تملك إسبانيا غواصات عاملة وبرامج أخرى قيد التطوير. لكن الصحيفة نفسها تذكر تقارير إعلامية محلية تتحدث عن اهتمام مغربي بالحصول على ثلاث غواصات في عام 2027. وهذا، في حدود المعلومات الواردة في المقال، حديث عن اهتمام محتمل، لا دليل على صفقة محسومة أو موعد مؤكد للتسليم. ومع ذلك، فإن إدراج هذا الاحتمال يذكر بأن حسابات القوة البحرية لا يمكن تجميدها عند صورة اليوم، وأن أي تقييم جدي مطالب بمراعاة مسارات التطوير المستقبلية، لا الاكتفاء بتعداد ما هو موجود حالياً.

ثم إن الحديث عن مضيق جبل طارق باعتباره ممراً استراتيجياً مشتركاً لا ينبغي أن يتحول إلى خطاب احتكاري يوحي بأن أمنه ومصالحه حكر على طرف دون آخر. فالمغرب ليس مجرد شاطئ مقابل لإسبانيا، بل دولة مطلة على واجهتين بحريتين، الأطلسية والمتوسطية، وتحتل موقعاً جغرافياً بالغ الأهمية في حركة التجارة والملاحة الدولية. وهذا الموقع يمنحها مسؤوليات ومصالح مشروعة في حماية مجالها البحري، كما يجعل التعاون بين ضفتي المضيق ضرورة استراتيجية تتجاوز الحسابات الدعائية الضيقة، وتفرض تنسيقاً يخدم أمن الملاحة واستقرار المنطقة ومصالح البلدين.

إن أخطر ما في هذا النوع من المقالات ليس تعداد الفرقاطات أو الحديث عن أنظمة القتال، بل الإصرار على تقديم العلاقات المغربية الإسبانية بمنطق المنتصر والمهزوم، وكأن الجغرافيا محكمة عسكرية، وكأن الشراكة الاقتصادية لا قيمة لها أمام نشوة استعراض القوة. تستطيع إسبانيا أن تفخر بقدراتها البحرية، ويستطيع المغرب أن يطور قدراته الدفاعية، لكن تحويل هذا الواقع إلى خطاب استعلائي لن يغير الحقائق، ولن يمنح أحداً تفوقاً سياسياً دائماً. فالعلاقات بين الدول لا تُدار بالعناوين وحدها، بل بما تفرضه المصالح المتبادلة من واقعية وحوار وتعاون مسؤول.

المغرب لا يحتاج إلى الدخول في سباق العناوين، ولا إلى الرد على كل استعراض إعلامي باستعراض مضاد. ما يحتاج إليه هو مواصلة بناء قدراته وفق رؤية وطنية واضحة، وتعزيز صناعاته الدفاعية، وتطوير بنيته البحرية، وتنويع شراكاته الدولية، مع الحفاظ على جاهزيته لحماية مصالحه وسيادته. فالدول لا تقاس فقط بما تمتلكه من سفن اليوم، بل بقدرتها على التخطيط والاستثمار والتكيف مع التحولات، وبمدى استقلال قرارها الاستراتيجي. وهذه هي المعادلة التي تجعل التحديث مشروعاً متواصلاً، لا مجرد رد فعل على ما تنشره الصحافة أو تثيره المقارنات الظرفية.

وفي نهاية المطاف، قد تمنح عبارة “الاكتساح العسكري” الصحيفة عنواناً مثيراً، وقد تثير أرقام الفرقاطات والغواصات انطباعاً سريعاً لدى القارئ، لكن الاستراتيجية ليست مباراة كرة قدم، والبحر ليس ملعباً يحتكر فيه طرف واحد قواعد اللعبة. وبين خطاب يتغذى على استعراض التفوق وواقع إقليمي يفرض التعاون والتوازن، يبقى الدرس الأهم أن المغرب لا يطلب شهادة تفوق من الصحافة الإسبانية، ولا يقبل أن يُختزل مستقبله في مقارنة متعالية بين عدد السفن. فالمملكة تمضي في تحديث قدراتها وتثبيت مكانتها، وتدرك أن السيادة لا تُقاس بضجيج العناوين، بل بقدرة الدولة على حماية مصالحها وصناعة خياراتها بنفسها.

أما “الاكتساح” الحقيقي، فليس ما تعلنه العناوين قبل أي مواجهة، بل ما تثبته الوقائع حين تتوقف الدعاية عن الكلام.

17/10/2026

مقالات خاصة

Related Posts