في الوقت الذي تزداد فيه حاجة المواطنين إلى خدمات صحية منتظمة تحفظ كرامتهم وتضمن حقهم في العلاج، تثير شكاوى بشأن غياب طبيب متخصص في جراحة العظام والمفاصل بالمركز الاستشفائي الإقليمي محمد السادس بأجدير موجة من التساؤلات حول واقع تدبير المرفق الصحي بالإقليم، ومدى صرامة المراقبة الإدارية في ضمان حضور الأطباء والتزامهم بأوقات العمل.
القضية، التي فجّرها تصريح أحد المواطنين، لا تتعلق فقط بتأخر طبيب عن موعده، بل تفتح الباب أمام أسئلة محرجة بشأن مصير المرضى الذين يتوجهون إلى المستشفى العمومي بحثاً عن التشخيص والعلاج، ليجدوا أنفسهم، وفق المعطيات التي أوردها المشتكي، أمام انتظار قد يمتد إلى حدود الساعة الواحدة زوالاً، أو أمام غياب الطبيب المعني في بعض الأحيان بشكل كامل.
وأمام هذه الشكاوى، يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن لمريض يعاني آلاماً أو إصابة على مستوى العظام والمفاصل أن يضمن حقه في الفحص الطبي، إذا كان موعد حضور الطبيب المختص غير واضح، وإذا كان احتمال عدم الاستفادة من الاستشارة قائماً وفق رواية المرتفقين؟ ومن يتحمل مسؤولية الوقت الضائع والمعاناة الإضافية التي قد يتكبدها المرضى، خصوصاً أولئك الذين يقطعون مسافات طويلة للوصول إلى المستشفى؟
إن خطورة هذه المعطيات تكمن في ارتباطها بتخصص طبي لا يمكن الاستهانة بأهميته، بالنظر إلى حاجة المصابين بالكسور وآلام المفاصل ومختلف الحالات المرتبطة بجراحة العظام إلى التشخيص والمتابعة الطبية. وأي اضطراب في انتظام الاستشارات بهذا التخصص قد يضع المرضى أمام تأخير غير مرغوب فيه، وهو ما يستدعي التحقق من حقيقة الوضع وتحديد المسؤوليات الإدارية والمهنية، بعيداً عن التبريرات العامة.
وفي خضم هذه التساؤلات، تجد إدارة المركز الاستشفائي الإقليمي محمد السادس بأجدير والجهات الصحية الوصية نفسها أمام ضرورة تقديم توضيحات واضحة للرأي العام، بدل ترك المواطنين أمام روايات متداولة وشكاوى تنتظر جواباً رسمياً. فهل تتم مراقبة الحضور اليومي للأطباء بصورة فعلية؟ وهل يجري تتبع مواعيد الاستشارات الطبية ومدى احترام جداول العمل؟ وما الإجراءات التي تُتخذ عندما يتبين وجود تأخر متكرر أو غياب غير مبرر؟
وتتسع دائرة التساؤلات لتشمل ما يروج بشأن احتمال ممارسة الطبيب المعني أنشطة مهنية بالمصحات الخاصة خلال أوقات العمل بالمستشفى العمومي. غير أن هذا الأمر يظل مجرد تساؤل يحتاج إلى تحقق رسمي وأدلة موثوقة، ولا يجوز التعامل معه باعتباره حقيقة ثابتة قبل التأكد منه. لكن إثارة هذا الموضوع تعزز الحاجة إلى مراقبة شفافة تضمن عدم تعارض أي نشاط مهني مع الواجبات المرتبطة بالخدمة العمومية، متى ثبت وجود مثل هذا التعارض.
وفي المقابل، فإن الاكتفاء بانتظار شكاوى المواطنين دون تفعيل آليات التتبع والتقييم لا يمكن أن يشكل بديلاً عن التدبير الإداري الصارم. فالمستشفى العمومي مؤسسة وُجدت لخدمة المرضى، والأطباء والأطر الصحية يؤدون مهامهم في إطار مسؤوليات مهنية وقانونية، بما يجعل احترام أوقات العمل وضمان استمرارية الخدمات من القضايا التي تستوجب المتابعة والمساءلة عند ثبوت أي إخلال.
ومن هنا، تبرز ضرورة تدخل إدارة المستشفى والمندوبية أو المديرية الصحية المختصة، بحسب الاختصاص الإداري المعمول به، للتحقق من مضمون الشكاوى، والاطلاع على سجلات الحضور والاستشارات والمداومة، ومقارنة المواعيد المعلنة بواقع الخدمات المقدمة، مع الاستماع إلى المرتفقين المعنيين، واتخاذ الإجراءات اللازمة إذا ثبت وجود تقصير أو غياب غير مبرر.
كما أن من حق ساكنة الحسيمة الحصول على أجوبة دقيقة بشأن انتظام الاستشارات في تخصص جراحة العظام والمفاصل، والتدابير المتخذة لتفادي تعطيل مصالح المرضى، والآليات المعتمدة لتلقي الشكاوى ومعالجتها. فالمواطن الذي يلجأ إلى المستشفى العمومي لا يطلب امتيازاً، وإنما يطالب بخدمة صحية تدخل ضمن حقوقه الأساسية.
إن الوضع الصحي بالإقليم لا يحتمل مزيداً من الغموض، وأي شكاوى تتعلق بغياب الأطباء أو اضطراب مواعيد العلاج تستوجب التعامل معها بالجدية اللازمة، لا سيما حين يتعلق الأمر بمرضى قد يكونون في حاجة إلى تدخل طبي في الوقت المناسب. وإذا كانت المعطيات المتداولة تستدعي التحقق، فإن مسؤولية الإدارة تقتضي توضيح الحقيقة للرأي العام، سواء بتأكيد الاختلالات واتخاذ الإجراءات المناسبة، أو بتقديم معطيات موثقة ترفع الالتباس.
ويبقى السؤال الذي ينتظر جواباً واضحاً: من يراقب انتظام الخدمات الطبية بمستشفى أجدير الإقليمي ، ومن يحاسب عند ثبوت الإخلال بالواجبات المهنية؟ فصحة المواطنين ليست شأناً ثانوياً، وكرامة المرضى لا ينبغي أن تظل رهينة الانتظار، بينما تظل المراقبة والمحاسبة أساسيتين لضمان أن يؤدي المرفق الصحي العمومي وظيفته كما ينبغي.
20/10/2026