في الوقت الذي تتأرجح فيه أسواق المال العالمية تحت ضغط المخاوف الاقتصادية والجيوسياسية، تكثف الصين مشترياتها من الذهب رغم التراجع الذي طال أسعاره، في خطوة تعكس استمرار رهان بكين على المعدن النفيس باعتباره أداة استراتيجية لحماية الثروات وتنويع الاحتياطيات، وسط تساؤلات متزايدة بشأن مستقبل الدولار الأمريكي وإمكانية بلوغ الذهب مستويات قياسية جديدة.
ووفقاً لمعطيات، عزز البنك المركزي الصيني احتياطياته من الذهب خلال شتنبر الماضي بإضافة 23 طناً، في أكبر عملية شراء شهرية منذ أكتوبر 2023. وبلغت مشتريات الصين 63 طناً خلال الربع الثالث من عام 2026، و103 أطنان منذ بداية السنة، فيما وصلت احتياطياتها الرسمية إلى نحو 2410 أطنان، بما يعادل 8.5 في المائة من إجمالي احتياطياتها.
وتكتسب هذه التحركات أهمية أكبر في ضوء التقلبات التي شهدها المعدن الأصفر، بعدما سجل نحو 5595 دولاراً للأونصة في 29 يناير 2026، قبل أن تتراجع أسعاره بنسبة 8.5 في المائة خلال شتنبر وحده، إلى حدود 4176 دولاراً، أي بانخفاض يقارب 25.4 في المائة عن قمته التاريخية. ورغم هذا التصحيح، لم تتراجع شهية الصين للشراء، في مؤشر على أن بكين تنظر إلى الذهب باعتباره استثماراً استراتيجياً يتجاوز تقلبات الأسعار الآنية.
ولفهم حجم الرهان، تجدر الإشارة إلى أن الأونصة المعتمدة في أسواق المعادن النفيسة تزن نحو 31.1 غراماً. وإذا بلغ سعرها 5000 دولار، فسيعادل ذلك نحو 160.8 دولاراً للغرام الواحد من الذهب الخالص، قبل احتساب تكاليف التصنيع والضرائب وهوامش البيع.
ولا يقتصر الإقبال الصيني على البنك المركزي، إذ استوردت البلاد أكثر من 1000 طن من الذهب خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026، بقيمة تناهز 158.8 مليار دولار، متجاوزة إجمالي وارداتها خلال عام 2025، الذي بلغ نحو 886 طناً. كما ارتفع الطلب على السبائك والعملات الذهبية بنسبة 28 في المائة خلال النصف الأول من العام الجاري، مقابل تراجع الطلب على المجوهرات بنسبة 34 في المائة، وفق البيانات المنسوبة إلى جمعية الذهب الصينية. ويعكس ذلك تحولاً في سلوك المستهلكين نحو الاستثمار والادخار بدلاً من اقتناء الذهب للزينة فقط.
وعلى الصعيد الدولي، تتجه بنوك مركزية عدة إلى تعزيز احتياطياتها من الذهب وتقليل الاعتماد على الدولار، في ظل تصاعد المخاطر الجيوسياسية والمخاوف المرتبطة بالديون وتقلبات العملات. ووفقاً لتقديرات مجلس الذهب العالمي، بلغت صافي مشتريات البنوك المركزية والمؤسسات الرسمية من الذهب 288.9 طناً خلال الربع الثاني من عام 2026.
كما قد يستفيد الذهب من انخفاض العائدات الحقيقية على الأصول المنافسة وضعف الدولار، في حين يمكن لاستمرار أسعار الفائدة الأمريكية المرتفعة أن يحد من صعوده. وتضاف إلى ذلك مخاوف الأسواق بشأن استدامة بعض الاستثمارات الضخمة في الذكاء الاصطناعي، وما قد تثيره من اضطرابات مالية تدفع المستثمرين إلى البحث عن أصول أكثر أماناً، دون أن يعني ذلك أن ارتفاع الذهب أصبح أمراً مضموناً.
ورغم التقلبات، تنقل التوقعات الواردة في التقرير عن مؤسستي “يو بي إس” و”جيفريز” إمكانية وصول سعر الأونصة إلى نحو 5000 دولار خلال عام 2027، مع ترجيح “يو بي إس” اقترابها من هذا المستوى في النصف الأول من السنة المقبلة. غير أن تحقق هذا السيناريو سيظل مرتبطاً بمسار الفائدة الأمريكية، وأداء الدولار، وتطورات الاقتصاد العالمي، واستمرار مشتريات الصين والبنوك المركزية.
وبين تراجع الأسعار وتصاعد الطلب الصيني، تبدو سوق الذهب أمام مرحلة حاسمة تتداخل فيها الحسابات الاستثمارية مع الرهانات الاستراتيجية. فالمعركة لم تعد مرتبطة فقط بالمضاربة على الأسعار، بل أيضاً بسعي الدول إلى حماية ثرواتها وتنويع احتياطياتها في عالم تتزايد فيه المخاطر وتتبدل فيه موازين القوة المالية. ويبقى السؤال: هل تكون عتبة 5000 دولار بداية موجة صعود تاريخية جديدة، أم أن تقلبات الأسواق ستفرض مساراً أكثر تعقيداً على المعدن الأصفر والدولار معاً؟
20/10/2026