kawalisrif@hotmail.com

سابقة : إسبانيا عرضت مليلية وسبتة المغربيتان المحتلتان للبيع على واشنطن مقابل الدولارات والدبابات !

سابقة : إسبانيا عرضت مليلية وسبتة المغربيتان المحتلتان للبيع على واشنطن مقابل الدولارات والدبابات !

في واحدة من أكثر الوقائع التاريخية إحراجاً للرواية الإسبانية بشأن سبتة ومليلية المغربيتين المحتلتين، أعادت وثيقة أمريكية سرية تعود إلى سنة 1958 فتح ملف بالغ الحساسية، بعدما كشفت عن مقترح عُرض على واشنطن لشراء المدينتين من إسبانيا وتحويلهما إلى قاعدتين عسكريتين بحريتين وجويتين، مقابل أموال ومعدات حربية. إنها واقعة تتجاوز غرابة تفاصيلها لتضع أمام الرأي العام سؤالاً صادماً: كيف تحولت مدينتان يُقدَّم وجود إسبانيا فيهما باعتباره مسألة سيادة غير قابلة للنقاش إلى موضوع للمساومة والبيع والشراء في حسابات عسكرية وسياسية؟ يبدو أن السيادة، حين تدخل غرف المفاوضات، قد تصبح أقل قداسة مما توحي به الخطب الرسمية!

التفاصيل التي كشفت عنها صحيفة إسبانية تستند إلى تقرير سري عُثر عليه في الأرشيف الوطني الأمريكي. وتفيد الوثيقة بأن القس اليسوعي خوسيه إغناسيو مارتين أرتاخو اقترح، يوم 26 شتنبر 1958، على القبطان الأمريكي روبرت ج. م. ستوري أن تشتري الولايات المتحدة سبتة ومليلية من إسبانيا، حتى توظفهما في خدمة استراتيجيتها العسكرية بالبحر الأبيض المتوسط ومضيق جبل طارق.

ولم يكن الأمر، وفق ما أورده التقرير، مجرد حديث عابر في جلسة عادية؛ فقد جرى اللقاء في سرية داخل معهد الفنون والصناعات الكاثوليكي بمدريد، بحضور موظف مرتبط بالملحق العسكري الأمريكي، قبل إحالة تفاصيله إلى مسؤولين في وزارة الخارجية الأمريكية. أما رد فعل القبطان ستوري، فكان كاشفاً لحجم المفاجأة، إذ أقر في تقريره بأنه شعر بالذهول والارتباك أمام العرض الذي تلقاه. ولعل الرجل لم يكن يتوقع أن تتحول مدينتان ترفع إسبانيا بشأنهما شعارات السيادة إلى موضوع اقتراح لصفقة عسكرية بهذا الحجم!

والأكثر إثارة أن مارتين أرتاخو تحدث عن وجود شخصيات في مواقع عليا داخل الحكومة الإسبانية تعتقد أن الجنرال فرانكو قد يكون مستعداً للموافقة على الصفقة. وكان المقابل المقترح يتضمن دولارات ومعدات عسكرية، من شاحنات وجرارات إلى دبابات، من دون تحديد قيمة مالية نهائية. كما أبدى القس استعداده، رفقة شقيقه ألبرتو مارتين أرتاخو، وزير الخارجية الإسباني الأسبق وأحد الموقعين على اتفاقيات القواعد العسكرية مع الولايات المتحدة سنة 1953، للمشاركة في لقاءات تستهدف استكمال تفاصيل المقترح.

وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التوقف عندها: في الوقت الذي تُرفع فيه اليوم شعارات السيادة والتاريخ والهوية كلما تعلق الأمر بسبتة ومليلية المغربيتين المحتلتين، تكشف هذه الوثيقة عن مرحلة كان فيها مصير المدينتين يُناقش، على الأقل من خلال هذا المقترح، بمنطق المصالح الاستراتيجية والمقايضات العسكرية. وكأن السيادة التي تُقدَّم اليوم باعتبارها خطاً أحمر لا يجوز الاقتراب منه، كانت قابلة آنذاك للدخول في حسابات الدولارات والدبابات! فهل يتعلق الأمر بمبدأ ثابت، أم أن للمبادئ وجهاً آخر عندما تفرض المصالح الكبرى شروطها؟

وبحسب الوثيقة، استند العرض إلى اعتبارات عسكرية واضحة؛ إذ كان من شأن السيطرة الأمريكية على المدينتين أن تمنح واشنطن موقعاً متقدماً لمراقبة مضيق جبل طارق والتحكم في جانب مهم من التحركات البحرية بالبحر الأبيض المتوسط. وجاء ذلك في سياق مفاوضات كانت مدريد وواشنطن تجريانها بشأن تجديد اتفاقيات الدفاع بينهما، ما جعل المقترح جزءاً من مناخ سياسي تحكمه حسابات النفوذ والقواعد العسكرية أكثر مما تحكمه الاعتبارات التاريخية المعلنة. ففي عالم المصالح، لا تكفي الخطب الرنانة لحسم الملفات، وقد تتحول الجغرافيا نفسها إلى ورقة على طاولة التفاوض.

ولم يكتف الأمريكيون بتلقي العرض، بل درسوا القيمة العسكرية للمدينتين. فقد أشار التقرير إلى أن مليلية كانت تتوفر على ميناء مهم، وتضم نحو 16 ألف عسكري إسباني، لكنه سجل أيضاً أن تضاريسها المنبسطة المحيطة بها تجعل الدفاع عنها معقداً، فضلاً عن افتقارها إلى مطار. أما تحويلها إلى قاعدة بحرية متكاملة، فكان سيتطلب استثمارات وأشغالاً واسعة النطاق.

وبالنسبة إلى سبتة، وصف التقرير ميناءها بأنه الأفضل على الساحل المتوسطي آنذاك، مع وجود نحو 14 ألفاً و500 عسكري، لكنه اعتبر قيمتها كقاعدة جوية محدودة للغاية. وهكذا، لم تكن المدينتان في الحسابات التي وثقتها المراسلات مجرد رمزين تاريخيين أو موضوعاً لخطابات وطنية، بل موقعين يجري تقييمهما وفق معايير الموانئ والانتشار العسكري والقدرة على مراقبة الممرات البحرية. لقد كان السؤال، ببساطة، ما الذي يمكن أن تقدمه المدينتان للقوة العسكرية الأمريكية، لا أي الشعارات أكثر بلاغة في الدفاع عن بقائهما تحت السيطرة الإسبانية.

وفي 14 أكتوبر 1958، رفع ريتشارد هوكينز، مستشار السفارة الأمريكية في مدريد، المقترح إلى وزارة الخارجية، مقدماً قراءة سياسية لافتة مفادها أن إسبانيا ربما كانت تسعى إلى التخلص من القلق المرتبط باحتمال اضطرارها مستقبلاً إلى التنازل عن المدينتين للمغرب.

هذه الإشارة، وإن كانت تعكس تقديراً ورد في وثيقة أمريكية ولا تكفي وحدها لإثبات وجود قرار رسمي إسباني بالبيع، تفتح نافذة على حقيقة لا يمكن تجاهلها: أن مسألة سبتة ومليلية كانت حاضرة في الحسابات الدبلوماسية والاستراتيجية، وأن احتمال ارتباط مستقبلهما بالعلاقات مع المغرب لم يكن غائباً عن تفكير بعض المسؤولين. والمفارقة أن احتمال التنازل عنهما للمغرب كان حاضراً في التقييم الأمريكي، بينما يُراد اليوم أحياناً تصوير مجرد فتح النقاش حول مستقبلهما باعتباره أمراً خارج التاريخ والسياسة!

لكن واشنطن لم تمضِ في المقترح. فقد اعتبر هوكينز أن العملية غير قابلة للتطبيق، وتتعارض مع السياسة الأمريكية الرافضة لاكتساب أراضٍ جديدة، كما حذر من أنها قد تثير غضباً قومياً واسعاً في المغرب. وبذلك انتهى المقترح من دون أن يتحول إلى صفقة، فيما تخلت الولايات المتحدة عن قواعدها العسكرية في المغرب في دجنبر 1959، وعززت وجودها العسكري في إسبانيا.

غير أن رفض واشنطن لا يمحو دلالة الواقعة، ولا يحول المقترح إلى مجرد تفصيل عابر في أرشيف الحرب الباردة. فالوثيقة تكشف أن المدينتين كانتا موضوع حسابات عسكرية وسياسية تتجاوز الخطاب الإسباني التقليدي، وأن الاعتبارات الاستراتيجية كانت قادرة على وضعهما في قلب مساومات محتملة بين العواصم. أما المفارقة الساخرة، فهي أن المدينتين اللتين يُراد تقديم وضعهما الحالي وكأنه حقيقة تاريخية لا تقبل النقاش، ظهرتا في وثيقة من تلك المرحلة موضوعاً لاقتراح شراء مباشر من الدولة التي كانت تسيطر عليهما.

وبالنسبة إلى المغرب، فإن استحضار هذه الواقعة لا يحتاج إلى المبالغة أو اختلاق استنتاجات لم ترد في الوثيقة؛ فمجرد الكشف عن أن شراء سبتة ومليلية طُرح أمام مسؤول أمريكي، وأن احتمال تنازل إسبانيا عنهما للمغرب ورد في التقييم الدبلوماسي الأمريكي، يكفي لإعادة فتح النقاش حول الخلفيات التاريخية والسياسية للنزاع بشأن المدينتين. فالتاريخ لا يمنح صكوك ملكية أبدية لمجرد تكرار الرواية الرسمية، ولا يجعل المطالب الوطنية تختفي لأن طرفاً ما يفضّل إبقاء الملف خارج دائرة النقاش.

إن أكثر ما يحرج الخطاب الإسباني ليس أن صفقة البيع لم تتم، بل أن الأرشيف أعاد إلى الواجهة سؤالاً ظل طويلاً أسير الروايات الرسمية: هل كانت السيادة المعلنة على المدينتين دائماً خارج حسابات المساومة، أم أن منطق المصالح جعل مستقبلهما قابلاً للنقاش عندما اقتضت حسابات القوة ذلك؟ ثم كيف يمكن التوفيق بين خطاب يُقدّم المسألة باعتبارها محسومة تاريخياً، ووثيقة تكشف أن شراء المدينتين كان مطروحاً على طاولة اتصالات سرية؟ أسئلة لا تجيب عنها الشعارات، مهما ارتفع صوتها.

في نهاية المطاف، لم تشترِ الولايات المتحدة سبتة ومليلية، ولم يتحول العرض إلى اتفاق، لكن الوثيقة بقيت شاهداً على مرحلة كانت فيها الجغرافيا تُقاس بميزان القواعد العسكرية والموانئ والنفوذ. أما المغرب، الذي لا يزال يعتبر المدينتين جزءاً من قضيته الوطنية المرتبطة بإنهاء الاحتلال، فليس مطالباً باستخلاص أكثر مما تسمح به الوثائق؛ فالتاريخ، حين يخرج من الأدراج السرية، كفيل وحده بإرباك الروايات التي اعتادت تقديم الوقائع باعتبارها حقائق نهائية لا تقبل النقاش.

وهكذا، تكشف وثائق الأرشيف أن سبتة ومليلية المغربيتين المحتلتين لم تكونا، حتى في حسابات عهد فرانكو، بمنأى عن منطق المساومات والصفقات؛ فقد وصل الأمر إلى اقتراح تحويلهما إلى قاعدتين أمريكيتين مقابل الدولارات والدبابات!

يا لها من مفارقة: مدينتان يُراد اليوم إقناع العالم بأن وضعهما السيادي حقيقة نهائية لا تقبل النقاش، كانتا بالأمس موضوع عرض تجاري بمقابل عسكري! ويبدو أن السيادة الإسبانية المزعومة كانت، في بعض الحسابات، قابلة للتفاوض متى حضرت المصالح وغابت الشعارات.

أما المغرب، فلا يحتاج إلى المزايدة ولا إلى اختراع الوقائع؛ يكفيه أن يترك الأرشيف يتحدث، وأن يذكّر مدريد بأن تكرار الرواية الرسمية لا يحوّل التاريخ إلى صك ملكية أبدي، وأن الملفات التي تُغلقها السياسة لا تُغلقها الذاكرة، مهما طال الزمن.

فإذا كانت سبتة ومليلية قد دخلتا ذات يوم حسابات البيع والشراء، فكيف يُراد اليوم تصوير المطالبة المغربية بإنهاء احتلالهما وكأنها فكرة لا يحق لها حتى أن تُطرح؟!

21/10/2026

مقالات خاصة

Related Posts