تواصل إسبانيا إثارة ملف التحركات البحرية المغربية قبالة سواحل سبتة المحتلة، في تطور يعيد إلى الواجهة أسئلة محرجة بشأن خلفيات التحركات السياسية والإعلامية الإسبانية تجاه المغرب، ومدى احترام الوقائع الموضوعية عند تناول القضايا المرتبطة بالعلاقات الثنائية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بقضايا السيادة والحدود والهجرة.
وطلبت قاضية المحكمة الوطنية الإسبانية، ماريا تاردون، من وزارة الدفاع تقديم معطيات دقيقة بشأن احتمال دخول سفن حربية أو زوارق عسكرية مغربية إلى المياه الإقليمية المحاذية لسبتة، خلال الفترة الممتدة من 29 يوليوز إلى 10 غشت 2026، وذلك في إطار تحقيق مرتبط بمحاولات الهجرة إلى المدينة المحتلة.
ويثير هذا التحرك القضائي تساؤلات بشأن الطريقة التي تتعامل بها بعض الأوساط الإسبانية مع التحركات المغربية المحتملة، خصوصاً أن القاضية نفسها شددت على عدم وجود أدلة موضوعية تثبت وجود صلة بين تلك التحركات وموجة الهجرة التي شهدتها سبتة. وهو معطى يضع حدوداً واضحة أمام أي محاولة لتقديم الوقائع غير المحسومة باعتبارها دليلاً على مسؤولية المغرب عن تدفقات الهجرة.
وطالبت القاضية وزارة الدفاع الإسبانية، في حال تأكيد وقوع هذه التحركات، بالكشف عن تواريخها وتوقيتها، وتحديد طبيعة الاتصالات التي جرت بين السفن المغربية والبحرية الإسبانية وأجهزة المراقبة والإنقاذ والأمن البحري، إلى جانب تقديم التسجيلات المتاحة، مع توفير معلومات بشأن حوادث مماثلة محتملة منذ 10 غشت الماضي.
واستندت تاردون إلى تصريحات سابقة لرئيس الحكومة الإسبانية، بيدرو سانشيز، وعدد من أعضاء حكومته، تحدثوا فيها عن وقوع توغل لسفن مغربية، من دون تقديم تفاصيل دقيقة بشأن ملابساته. كما رفضت طلبات منظمة «يوستيتيا أوروبا» الرامية إلى توسيع التحقيق، معتبرة أنها غير متناسبة في المرحلة الحالية.
وتكمن المفارقة في أن الملف يُفتح على خلفية تصريحات سياسية تتحدث عن تحركات بحرية مغربية، بينما لا تتوفر، وفق ما أكدته القاضية، أدلة موضوعية تربط هذه التحركات بملف الهجرة. وهو ما يجعل تقديم أي اتهامات مسبقة للمغرب أمراً يفتقر إلى السند الإثباتي اللازم، ويستوجب التمييز بين الوقائع التي يمكن التحقق منها والاستنتاجات التي لم تثبت بعد.
إن العلاقات المغربية الإسبانية أكبر من أن تتحول إلى ساحة لتغذية الشكوك أو توظيف الملفات الحساسة في سجالات سياسية متكررة. وإذا كانت مدريد تتمسك بحقها في التحقيق في أي واقعة تمس أمنها البحري، فإن احترام المغرب يقتضي أيضاً عدم تحميله مسؤوليات لم تثبتها الأدلة، وعدم تحويل مجرد الاشتباه في تحركات بحرية إلى مادة لتأجيج التوتر بين البلدين.
وفي انتظار توصل القضاء الإسباني بالوثائق المطلوبة، يبقى من الضروري أن تستند المواقف الرسمية إلى معطيات دقيقة، لا إلى تأويلات مسبقة. فالمغرب ليس مطالباً بأن يكون الطرف الذي يتحمل تلقائياً تبعات كل أزمة مرتبطة بسبتة، كما أن معالجة ملف الهجرة لا ينبغي أن تصبح مدخلاً لإطلاق اتهامات غير مثبتة أو لإعادة إنتاج مناخ الشك في العلاقات الثنائية.
والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: هل ستكشف الوثائق المنتظرة عن وقائع دقيقة تستوجب التوضيح، أم أن الملف سيظل محصوراً في تصريحات وفرضيات لم يثبت ارتباطها بأزمة الهجرة؟ الإجابة ينبغي أن تأتي من الأدلة، لا من الحسابات السياسية أو الخطابات التي تزيد التوتر بدل أن تساعد على بناء علاقة متوازنة بين الجارين.
22/10/2026