وجّه الحقوقي عبد السلام بوطيب، النائب السابق لرئيس المنتدى المغربي للحقيقة والإنصاف، رسالة مفتوحة إلى محمود عرشان، استحضر فيها تجربة العدالة الانتقالية بالمغرب، وما يرتبط بها من أسئلة الحقيقة والإنصاف وكرامة الضحايا، وذلك على خلفية وصف «الطابور الخامس» الذي قال إن عرشان استخدمه، بحسب ما نقلته الصحافة عن مداخلته بمجلس المستشارين، في سياق الرد على من يثيرون اتهامات مرتبطة بماضيه الأمني.
واستهل بوطيب رسالته باستحضار فيلم «Argentina, 1985»، الذي يتناول محاكمة قادة الحكم العسكري في الأرجنتين، معتبراً أن العمل يثير أسئلة عميقة بشأن شهادات الضحايا، وإثبات المسؤوليات، وقدرة المجتمعات على مواجهة ماضي الانتهاكات.
وأوضح الحقوقي المغربي أنه اختار الانخراط في مسار العدالة الانتقالية والمصالحة عن اقتناع، مراهنًا على تحويل المعاناة إلى مدخل للإصلاح، وجعل الاعتراف بما جرى أساسًا لبناء الثقة بين المواطنين والمؤسسات، حتى يتمكن الأجيال المقبلة من العيش في وطن يحفظ كرامتهم ويضمن لهم حرية التعبير والاختلاف دون خوف.
وفي هذا السياق، عبّر بوطيب عن ألمه إزاء وصف أصحاب الشهادات والمنتقدين بـ«الطابور الخامس»، معتبراً أن الاختلاف حول الوقائع والشهادات يظل أمرًا ممكنًا، ويمكن مواجهته بالاعتراض والمطالبة بالأدلة وتقديم الروايات المضادة، لكن التشكيك في وطنية أصحاب الشهادات ينقل النقاش من مستوى الخلاف حول الوقائع إلى مستوى المساس بكرامة أشخاص يحمل بعضهم جراحًا لم تندمل بعد.
وكشف بوطيب، في رسالته، عن استمرار الآثار النفسية لتجربة الاعتقال والتعذيب التي عاشها، مؤكداً أن انخراطه الصادق في المصالحة لم ينهِ الألم الذي ظل يرافقه على مدى سنوات طويلة.
وقال إنه لا يزال يبكي عند حلول ذكرى اعتقاله، وقد يستغرقه البكاء يومًا كاملًا، مشيرًا إلى أنه حرص على إخفاء دموعه عن ابنته وزوجته والناس، بينما واصل عمله وتمسكه بالأمل. واعتبر أن الاستمرار في العطاء رغم حمل هذا الألم طوال ربع قرن يتطلب جهدًا نفسيًا كبيرًا وإيمانًا بإمكانية بناء مستقبل أكثر عدلًا.
وشدد الحقوقي المغربي على أن اختياره الانخراط في المصالحة لم يكن تنازلًا عن الحقوق، ولا إعلانًا عن انتهاء المعاناة، مؤكداً أن العدالة الانتقالية، كما يفهمها، تقوم على الاعتراف بالضحايا وكرامتهم، وكشف الحقيقة، والمساءلة عن الانتهاكات وفق إجراءات عادلة، وجبر الضرر، وإصلاح المؤسسات، ووضع ضمانات تحول دون تكرار ما حدث.
كما أكد أن المصالحة الحقيقية ينبغي أن تتسع لشهادات الضحايا ومطالبهم، وأن تحترم حقهم في السعي إلى الإنصاف وفق القانون، مشددًا على أنه لا يحق لأي طرف تحديد اللحظة التي ينبغي أن ينتهي فيها ألمهم، أو فرض الطريقة التي يتحدثون بها عن تجاربهم.
واستحضر بوطيب فيلم «Argentina, 1985» للتأكيد على أهمية إخضاع الشهادات والأدلة للفحص الجدي، مع احترام اختلاف السياقين المغربي والأرجنتيني، وصون قرينة البراءة وحقوق الدفاع.
ووجّه، في هذا الإطار، سؤالًا مباشرًا إلى محمود عرشان بشأن مدى استعداده للاستجابة للمطالب إذا اتخذت مسارًا قضائيًا، وتقديم روايته ومناقشة الشهادات والأدلة أمام قضاء مستقل، مع ضمانات المحاكمة العادلة. وأوضح أن هذا السؤال ينطلق من احترام حق المعني بالأمر في الدفاع عن نفسه، كما يتمسك بحق أصحاب الشهادات في أن تُسمع أقوالهم وتُفحص بجدية.
ولم تقتصر الرسالة على مخاطبة عرشان، بل امتدت إلى مساءلة المجتمع والمؤسسات بشأن سبل حماية الثقة التي عمل المدافعون عن حقوق الإنسان والضحايا على بنائها طوال ربع قرن، متسائلًا عن كيفية صون هذا الأمل إذا أصبح الحديث عن الانتهاكات مناسبة للتشكيك في وطنية أصحاب الشهادات.
وأكد بوطيب ثقته في تجربة الإنصاف والمصالحة بالمغرب، معتبراً أنها تجسد تلاقي الإرادة الملكية مع تطلعات الشعب المغربي إلى العدل والكرامة، ومع إرادة الضحايا الذين انخرطوا في هذا المسار وأسهموا في بنائه، دون ادعاء التحدث باسمهم جميعًا.
وختم الحقوقي رسالته بالتشديد على ضرورة صون مكتسبات تجربة الإنصاف والمصالحة واستكمال أوراشها والوفاء لروحها وتوصياتها، معتبراً أن احترام ذاكرة الضحايا وكرامتهم والإنصات إلى مطالبهم يشكلان أساسًا لتعزيز الثقة في هذا المسار.
وعاد بوطيب إلى السؤال الذي اختاره عنوانًا لرسالته: “هل شاهدتم فيلم Argentina, 1985، السيد محمود عرشان؟” ، ليؤكد تمسكه بالأمل في مواجهة الماضي بشجاعة، وبناء وطن لا تتكرر فيه المأساة، ولا يُترك فيه من عانوا وحدهم في مواجهة جراحهم.
22/10/2026