لا يكتفي المغرب بتحديث قدراته الدفاعية وتعزيز جاهزية القوات المسلحة الملكية، بل يمضي نحو توسيع قاعدة التصنيع العسكري ونقل التكنولوجيا، في تحول استراتيجي يجعل المملكة تراهن على امتلاك جزء متزايد من قدراتها الإنتاجية، بدل الاكتفاء باستيراد المعدات الجاهزة. وفي هذا السياق، يبرز احتمال إدماج المركبة المدرعة الخفيفة متعددة المهام “لامف 4×4″، التي تطورها شركة “تاتا أدفانسد سيستمز” الهندية، ضمن خط الإنتاج بمصنع برشيد، بوصفه تطورا محتملا ينسجم مع الطموح المغربي لبناء صناعة دفاعية وطنية ذات امتداد إفريقي.
وحسب معطيات أوردتها مجلة إسبانية متخصصة في الشؤون العسكرية، فإن البرنامج يقترب من مرحلة الإنتاج التجاري، غير أن الشركة الهندية لم تعلن رسميا، حتى الآن، عن إدماج هذا الطراز في مصنعها بالمغرب. ولذلك، يبقى الأمر احتمالا يستوجب انتظار التأكيد الرسمي، لكنه يسلط الضوء على المسار الذي اختارته المملكة لتطوير شراكات صناعية ودفاعية تتجاوز منطق شراء المعدات إلى البحث عن فرص التصنيع والتكوين وتراكم الخبرة التقنية.
وتكتسب هذه الخطوة المحتملة أهميتها من كونها تأتي في مرحلة يتزايد فيها الاهتمام الدولي بالصناعات الدفاعية، باعتبارها جزءا من الأمن القومي والاستقلالية الاستراتيجية. فالدول التي تسعى إلى حماية مصالحها لا تكتفي بتوفير المعدات العسكرية، بل تعمل أيضا على تطوير قدراتها في صيانتها وإنتاج مكوناتها، وتكوين الكفاءات القادرة على مواكبة التطور التكنولوجي. والمغرب، من خلال توجهه نحو التصنيع الدفاعي، يسعى إلى توسيع هامش حركته في هذا المجال، مع الاستفادة من الشراكات الدولية ونقل الخبرات.
ويشكل مصنع شركة “تاتا أدفانسد سيستمز المغرب” بالمنطقة الصناعية في برشيد إحدى المحطات البارزة في هذا المسار. ويمتد المصنع على مساحة عشرين ألف متر مربع، وقد انطلق نشاطه من تصنيع المركبات المدرعة من طراز “وهاب 8×8″، في إطار عقد أولي يشمل مائة وخمسين وحدة. ويعكس هذا المشروع تطور التعاون المغربي الهندي، ويفتح المجال أمام بناء قاعدة صناعية يمكن أن تستفيد منها القوات المسلحة الملكية، فضلا عن إمكانية التوجه مستقبلا نحو أسواق خارجية.
ولا تنحصر أهمية المصنع في المركبات التي قد تخرج من خطوط إنتاجه، بل تمتد إلى ما يمكن أن ينشأ حوله من منظومة للموردين المحليين، وخدمات الصيانة والدعم اللوجستي، والتكوين التقني، وتطوير الخبرة الصناعية. وقد انطلقت نسبة الإدماج المحلي، وفق المعطيات المتداولة، من نحو خمسة وثلاثين في المائة، مع هدف رفعها تدريجيا إلى خمسين في المائة. وإذا تحقق هذا التدرج، فسيكون أثر المشروع أوسع من مجرد التجميع، لأنه سيسهم في توسيع مشاركة المقاولات المغربية في سلسلة الإنتاج ورفع القيمة المضافة المحلية.
وفي حال تأكد إدماج المركبة “لامف 4×4” في خط الإنتاج ببرشيد، فسيشكل ذلك احتمالا إضافيا لتنويع المنتجات الدفاعية التي يمكن تصنيعها بالمملكة. فالمركبات الخفيفة متعددة المهام تختلف من حيث طبيعة الاستخدام عن المدرعات ذات الدفع الثماني، إذ صممت لتلبية احتياجات ميدانية تتطلب الحركة السريعة والمرونة، بما في ذلك العمل في المناطق الصحراوية والجبلية والمهام التي تستدعي سرعة الانتشار.
وكانت شركة “تاتا” قد عرضت النسخة الأحدث من المركبة، المعروفة باسم “لامف غلوبال”، خلال معرض ومؤتمر الدفاع الدولي “آيدكس 2025” في أبوظبي. ووفقا للبيانات التي نشرتها الشركة، توفر المنصة حماية باليستية من المستوى الثالث وفق المعيار العسكري “ستاناغ 4569″، فيما تصل سرعتها القصوى المعلنة إلى مائة كيلومتر في الساعة، مع إمكانية نقلها جوا وملاءمتها لبيئات تشغيل مختلفة.
وتضم التصاميم المعروضة نسخة للاستطلاع تتسع لسائق وثلاثة ركاب، وأخرى لنقل الأفراد يمكنها استيعاب أحد عشر جنديا. كما أشارت الشركة إلى تجهيز المركبة بنظام لمراقبة الحالة التشغيلية للمكونات الحيوية، بما يساعد على رصد مؤشرات التآكل والاهتزاز واعتماد الصيانة التنبؤية، وهي عناصر مهمة لتحسين الجاهزية وتقليص فترات التوقف عن العمل.
وسبق أن عرضت شركة “تاتا” مركبة “لامف 4×4” إلى جانب المدرعة “وهاب 8×8” خلال معرض مراكش للطيران، في خطوة أتاحت تقديم تشكيلة أوسع من أنظمتها البرية أمام الوفود المغربية والدولية. غير أن العرض في معرض متخصص لا يعني، في حد ذاته، اتخاذ قرار بتصنيع المركبة في المغرب؛ إذ يظل الإعلان الرسمي عن البرنامج وشروطه التقنية والصناعية هو الفيصل في تحديد طبيعة الخطوة المقبلة.
وتندرج الشراكة مع الهند ضمن توجه مغربي أوسع لتنويع الشركاء الدوليين، والاستفادة من الخبرات المتاحة في مجالات الصناعة والتكنولوجيا والدفاع. فتنويع الشراكات يمنح المملكة خيارات أوسع في التفاوض والتطوير، كما يتيح بناء علاقات صناعية على المدى الطويل، بدل الاقتصار على صفقات شراء تنتهي بتسلم المعدات.
وتملك المملكة، بفضل موقعها الجغرافي وصلاتها الاقتصادية المتنامية مع البلدان الإفريقية، مقومات تؤهلها لتطوير دورها كمنصة صناعية إقليمية. لكن تحويل هذه الإمكانات إلى نتائج ملموسة يظل مرتبطا بمدى نجاح المشاريع في رفع نسبة الإدماج المحلي، وتكوين الموارد البشرية، ونقل التكنولوجيا، وتطوير شبكة الموردين، والانتقال التدريجي إلى تصنيع مكونات ذات قيمة مضافة أعلى.
أما على المستوى الإقليمي، فإن تنامي القدرات الصناعية الدفاعية المغربية يجعل من الضروري قراءة التحولات الجارية بعيدا عن اختزالها في سباق التسلح أو المقارنات الظرفية. فالمؤشر الأهم ليس مجرد امتلاك مركبة جديدة، بل بناء منظومة قادرة على الإنتاج والصيانة وتطوير الخبرة الوطنية. ومن الطبيعي أن تحظى هذه التحولات باهتمام دول الجوار، وفي مقدمتها إسبانيا، بالنظر إلى موقع المغرب وشراكاته المتنامية، غير أن أي حديث عن قلق رسمي أو ردود فعل محددة يظل بحاجة إلى معطيات موثوقة تثبته.
وبالنسبة إلى المغرب، فإن الرهان الحقيقي يتجاوز إدماج طراز جديد في خطوط الإنتاج؛ إنه رهان على صناعة دفاعية تخلق فرصا للكفاءات المغربية، وتفتح آفاقا أمام المقاولات الوطنية، وتدعم استقلالية القرار الدفاعي، وتمنح المملكة إمكانات أوسع للتعاون والتصدير. فالقوة الصناعية لا تُقاس بالإعلانات وحدها، وإنما بقدرة المشاريع على الاستمرار وتطوير الإنتاج ونقل التكنولوجيا وتحقيق قيمة مضافة داخل الاقتصاد الوطني.
وإلى حين صدور تأكيد رسمي من شركة “تاتا أدفانسد سيستمز” بشأن تصنيع “لامف 4×4” في برشيد، تبقى هذه الخطوة احتمالا ضمن مسار صناعي أوسع. غير أن الاتجاه العام واضح: المغرب يعمل على توسيع حضوره في مجال التصنيع الدفاعي، مستفيدا من شراكاته الدولية وموقعه الإفريقي، واضعا نصب عينيه هدفا يتجاوز اقتناء المعدات إلى بناء الخبرة والقدرة على الإنتاج. وهي معادلة تمنح المملكة فرصة لتعزيز مكانتها الصناعية والاستراتيجية، شريطة أن تتحول الطموحات المعلنة إلى نتائج عملية قابلة للقياس.
21/10/2026