في مشهد يكاد ينافس أكثر فصول الكوميديا السياسية غرابة، وجد حزب التجمع الوطني الفرنسي، المحسوب على اليمين المتطرف، نفسه وسط عاصفة من الجدل، بعدما كشفت تقارير إعلامية عن تعليمات أمنية مزعومة للتحقق من ارتداء بعض النساء حمالات الصدر، خلال المؤتمر الذي احتضنته مدينة أورليان نهاية الأسبوع، وسط مخاوف من احتجاجات محتملة لناشطات حركة “فيمن” النسوية.
وبحسب ما أوردته صحيفة “لو باريزيان”، نقلاً عن مصادرها، فإن عناصر الأمن المكلفة بتأمين المؤتمر تلقوا تعليمات بالتحقق من ارتداء بعض النساء حمالات الصدر، عبر تمرير أيديهم خلف ظهورهن، في إجراء قيل إنه يستهدف منع ناشطات الحركة من تنفيذ احتجاجات عارية الصدر، وهي الوسيلة التي اشتهرت بها “فيمن” في مواجهة عدد من الشخصيات والتيارات السياسية.
وتفيد الروايات المتداولة بأن النساء اللواتي لم يكن يرتدين حمالات الصدر لم يُمنعن بالضرورة من دخول المؤتمر، لكنهن خضعن لتفتيش أكثر دقة، وكأن المعركة السياسية لم تعد تتعلق بالبرامج الانتخابية ولا بالشعارات الحزبية، بل بما إذا كانت النساء قد اخترن ارتداء قطعة من الملابس الداخلية أم الاستغناء عنها!
وسارعت لور لافاليت، المتحدثة باسم التجمع الوطني، إلى نفي صحة هذه المعلومات، وهاجمت الصحفية ماري لو ماغال، التي نشرت الخبر أولاً عبر موقع “ليكسبريس”، متهمة إياها باختلاق القصص. وبين الرواية الصحفية والنفي الحزبي، بقيت حقيقة التعليمات المزعومة موضع جدل، فيما تحولت حمالات الصدر إلى نجمة غير متوقعة في مؤتمر كان يفترض أن تتصدره القضايا السياسية والاقتصادية.
لكن المفارقة الأكثر إحراجاً أن الواقعة ليست الأولى من نوعها، وفق ما نقلته الصحافة الفرنسية. فقد أشارت فيكتوريا كوسا، الصحفية بإذاعة “فرانس إنتر”، إلى حادثة مشابهة بمدينة إينان بومون، خلال منتصف شتنبر الماضي، بالتزامن مع خطاب مارين لوبان بمناسبة الدخول السياسي.
وكتبت الصحفية على منصة “إكس” أن ناشطتين لم تكونا ترتديان حمالات الصدر طُلب منهما، داخل دورات المياه، الكشف عن جسديهما للتأكد من عدم وجود شعارات احتجاجية مكتوبة عليهما، بالنظر إلى أن ناشطات “فيمن” يلجأن أحياناً إلى كتابة رسائلهن السياسية على صدورهن.
ويأتي هذا الجدل في سياق مواجهات متكررة بين الحركة النسوية والحزب اليميني، إذ سبق لناشطات “فيمن” أن نظمن احتجاجات خلال فعاليات مرتبطة بالتجمع الوطني، من بينها مراسم إحياء ذكرى جان دارك بمدينة كاركاسون في 10 ماي الماضي، ما جعل الحزب أكثر حساسية تجاه احتمال تكرار مشاهد الاحتجاج خلال تجمعاته.
وبينما ينفي الحزب الاتهامات، فإن تداول هذه الروايات أعاد فتح النقاش حول حدود التفتيش الأمني وخصوصية النساء، وحول ما إذا كان الخوف من احتجاج عارٍ كافياً لتبرير إجراءات قد تمس بحرمة الجسد. فالأمن، مهما كانت دواعيه، يفترض أن يحمي الفعاليات من المخاطر، لا أن يحوّل الملابس الداخلية إلى ملف استراتيجي يستدعي كل هذا الاستنفار.
أما الجانب الأكثر سخرية في هذه القصة، فهو أن اليمين المتطرف الذي يسعى إلى إقناع الفرنسيين بامتلاكه أجوبة عن أزمات البلاد، وجد نفسه في قلب نقاش لا يحتاج إلى خبراء الاقتصاد ولا إلى استراتيجيين انتخابيين، بل إلى إجابة بسيطة عن سؤال محرج: هل أصبحت حمالة الصدر أخطر على مؤتمر سياسي من خطاب معارض؟
فربما يحتاج منظمو المؤتمرات الحزبية مستقبلاً إلى إضافة بند جديد إلى خططهم الأمنية: فحص الملابس الداخلية قبل توزيع الشارات الانتخابية! لكن المشكلة أن التفتيش قد يكشف ما ترتديه النساء تحت ملابسهن، من دون أن يكشف بالضرورة ما يخفيه السياسيون تحت شعاراتهم. وفي النهاية، يبدو أن بعض المؤتمرات الفرنسية باتت تخشى الصدور العارية أكثر مما تخشى الأفكار العارية من أي برنامج مقنع؛ وبين الاثنين، تبقى السياسة وحدها مطالبة بخلع أقنعتها، لا النساء بخلع ملابسهن!
26/10/2026