في مشهد يثير الجدل ويخلط السياسة بالاستعراض الشخصي، وجد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه في قلب موجة من التعليقات الساخرة، بعدما تحولت تصريحاته المتكررة بشأن الأجساد والمظهر الخارجي لشخصيات عامة إلى مادة دسمة للإعلام الأمريكي، خصوصاً مع انتقال اهتمامه من سياسيين جمهوريين ورياضيين إلى مغنية الراب نيكي ميناج، التي خصها بإشادة جريئة أمام الحاضرين في تجمع بولاية ميشيغان.
ولم يتردد ترامب، خلال الفعالية التي أقيمت الأحد، في الإشادة بمؤخرة الفنانة، قبل أن يطلب منها الوقوف حتى يتمكن الجمهور من رؤيتها. تصرف أثار الانتباه، ليس فقط بسبب طبيعته الشخصية الصريحة، بل أيضاً لأنه صدر عن رئيس الولايات المتحدة، الذي اعتاد أن تكون كلماته محط متابعة واسعة، سواء تعلق الأمر بقراراته السياسية أو خرجاته المثيرة للجدل.
وتوالت التعليقات على هذه التصريحات، حتى إن الإعلامي أندرسون كوبر، مقدم البرامج في شبكة “سي إن إن”، أطلق على ترامب وصفاً ساخراً يقوم على التلاعب بعبارة “القائد الأعلى”، ليحولها إلى لقب مرتبط بالمؤخرات، في إشارة تهكمية إلى ما اعتبره تركيزاً لافتاً من الرئيس على هذه الجزئية من أجساد الآخرين.
ولم تبدأ القصة مع نيكي ميناج، إذ سبق لترامب أن أثار الانتباه بتعليقاته على البنية الجسدية لعدد من الشخصيات السياسية المنتمية إلى معسكره الجمهوري. فقد تحدث بإسهاب عن السيناتور جون هيوستد، الذي مارس كرة القدم الأمريكية خلال دراسته الجامعية، مشيداً ببنيته العضلية، لكنه ذهب أبعد من ذلك عندما قال إنه تفحص مؤخرته، واصفاً إياها بأنها “كتلة من العضلات”، قبل أن يتحدث عن كتفيه وقدميه ويديه وفكه.
ورغم إصرار الرئيس الأمريكي على أنه لا يعتاد التركيز بهذه الطريقة على أجساد الرجال، فإن تصريحاته المتكررة فتحت الباب أمام موجة من السخرية الإعلامية، خصوصاً بعدما امتد الإطراء إلى شخصيات جمهورية أخرى. ففي تجمع بولاية جورجيا، وصف ترامب عضو الكونغرس مايك كولينز بأنه رجل جذاب و”رجل بكل معنى الكلمة”، كما أشاد بريك جاكسون، المرشح الجمهوري لمنصب حاكم الولاية، ونعته بالوسامة والأناقة.
ولم تسلم الشخصيات الرياضية بدورها من هذه التعليقات، إذ استحضر ترامب أسطورة الغولف الأمريكي أرنولد بالمر، الذي توفي عام 2016، مستعيداً حكاية عن استحمامه مع لاعبين محترفين آخرين، ومتحدثاً عن دهشة من كانوا يخرجون من الحمامات إزاء بنيته الجسدية. كما أشار إلى رياضيين آخرين، من بينهم جاكسون دارت وهاريسون باتكر، لاعب ركل الكرة في فريق كانساس سيتي تشيفز، وامتدح الرئيس السلفادوري نجيب بوكيلي، معتبراً أنه احتفظ بوسامته رغم تقدمه في السن.
وفي خضم هذه التصريحات، لم يفوت أندرسون كوبر الفرصة للسخرية من الصورة العامة للرئيس، مستحضراً رقصه المتكرر على أنغام أغنية “YMCA”، وإعجابه المعلن بالفنانة بيتي باكلي، المرتبطة بأعمال تحظى بمكانة لدى مجتمع الميم، في تعليق تهكمي على سيل الإشادات التي يوجهها ترامب إلى الرجال وشخصيات أخرى.
وبعيداً عن السجال الإعلامي، تتقاطع هذه الظاهرة مع اتجاهات ثقافية جديدة، من بينها ما يعرف بـ”Glutemaxxing”، وهو توجه يقوم على تكثيف التمارين الرياضية بهدف تطوير عضلات الأرداف وجعلها أكثر بروزاً وقوة. وقد ساهمت شبكات التواصل الاجتماعي في انتشار هذا الاهتمام، بما يعكس تغيراً في معايير الجمال الذكوري وتزايد التركيز على تفاصيل الجسد.
لكن ترامب لا يستخدم المظهر الخارجي دائماً في سياق الإطراء، إذ سبق أن وظفه للسخرية من خصومه السياسيين، ومن بينهم السيناتور الديمقراطي جون أوسوف، الذي شبهه بشخصية “بي وي هيرمان” الكوميدية، المعروفة بوجهها الشاحب وتعابيرها المميزة، في مثال آخر على الطريقة التي يمزج بها الرئيس الأمريكي بين السياسة والتعليقات الشخصية.
أما نيكي ميناج، فقد أصبحت الحلقة الأحدث في هذا المشهد المثير للجدل. فقد سافرت المغنية برفقة ترامب على متن الطائرة الرئاسية “إير فورس وان”، قبل أن تظهر إلى جانبه في التجمع الانتخابي بميشيغان، في تطور يعكس التقارب المتزايد بين الطرفين.
وتكتسب هذه العلاقة دلالة إضافية بالنظر إلى أن ميناج سبق أن انتقدت سياسات ترامب المتعلقة بالهجرة، في وقت تحدثت فيه عن وصولها إلى الولايات المتحدة بطريقة غير نظامية. غير أن موقفها شهد تحولاً خلال الأشهر الأخيرة، بعدما أعلنت دعمها للرئيس الأمريكي واقتربت من محيطه السياسي.
وخلال التجمع الأخير، وجه ترامب حديثه إلى الفنانة أمام الجمهور، قائلاً إنه سبق أن رأى “مؤخرة جميلة”، قبل أن يحدد أن المقصودة هي نيكي ميناج، ثم طلب منها الوقوف كي يتمكن الحاضرون من رؤيتها. واستجابت المغنية، فنهضت لتحية الجمهور، بينما أضاف الرئيس أنه يأمل ألا يكون قد أساء إليها، معرباً عن تقديره لمساندتها له.
وهكذا، لم تعد الواقعة مجرد تعليق عابر في تجمع انتخابي، بل تحولت إلى مادة جديدة للنقاش بشأن حدود الخطاب الرئاسي، والفاصل بين الاستعراض الشخصي والهيبة المفترضة لمن يشغل أعلى منصب في الولايات المتحدة. وبينما يواصل ترامب تصدر العناوين بتصريحاته غير المألوفة، يبقى السؤال الأكثر إحراجاً: هل باتت منصات السياسة الأمريكية مسرحاً لقرارات مصيرية تتجاور مع تعليقات جسدية صادمة، أم أن الاستعراض أصبح جزءاً من اللعبة التي يخوضها الرئيس لجذب الأنظار مهما كان الثمن؟
26/10/2026