kawalisrif@hotmail.com

50 مليار سنتيم لتجهيز الملاعب بالمغرب … شركات تتكرر في الصفقات وأسئلة حارقة حول الكلفة والمنافسة قبل مونديال 2030

50 مليار سنتيم لتجهيز الملاعب بالمغرب … شركات تتكرر في الصفقات وأسئلة حارقة حول الكلفة والمنافسة قبل مونديال 2030

في وقت يسرّع فيه المغرب وتيرة الاستعداد لاستحقاقات كروية دولية كبرى، تتجه الأنظار إلى سوق تجهيز الملاعب، حيث تتقاطع الاستثمارات الضخمة مع أسئلة دقيقة حول تدبير المال العام، وتوزيع العقود، ومدى قدرة المنافسة على ضمان أفضل الأسعار وأعلى مستويات الجودة. فخلال الفترة الممتدة بين 2024 و2026، بلغت قيمة 28 صفقة مرتبطة بتجهيز الملاعب أكثر من 505 ملايين درهم، وفق المعطيات الواردة بشأن هذه العقود، وسط بروز أسماء شركات وتحالفات تكرر حضورها في مشاريع تهيئة الأرضيات وتجهيزها وصيانتها.

ولا يتعلق الأمر بمجرد وضع العشب فوق أرضيات الملاعب، بل بمنظومة تقنية متكاملة تضم العشب الطبيعي والاصطناعي، وأنظمة تصريف المياه والسقي والتهوية، والتجهيزات الهجينة، فضلاً عن عمليات الصيانة التي تفرضها طبيعة الاستغلال الرياضي المكثف. غير أن اتساع نطاق هذه الأشغال وارتفاع كلفتها يفتحان الباب أمام تساؤلات مشروعة: كيف توزعت هذه الصفقات؟ وما المعايير التي حسمت اختيار الشركات الفائزة؟ وهل تعكس المبالغ المرصودة أفضل قيمة مقابل المال العام؟

من بين الشركات التي برز اسمها في هذه السوق، شركة «فالتك»، التي حصلت خلال سنة 2024 على خمسة عقود معلنة، بلغت قيمتها الإجمالية 133.3 مليون درهم، وشملت مشاريع لتجهيز الملاعب بكل من مراكش وأكادير وفاس، إضافة إلى مركب محمد السادس لكرة القدم بمدينة سلا.

وفي مسار موازٍ، حصل تحالف «سوميكوتراد» و«رويال فيرد» على صفقة تهيئة أرضية مركب محمد الخامس بالدار البيضاء بقيمة 42.8 مليون درهم، قبل أن يعود اسما الشركتين إلى الواجهة من خلال صفقة تجهيز أرضية ملعب الحسن الثاني ببنسليمان، التي بلغت قيمتها 92.47 مليون درهم في أكتوبر 2026.

وتكشف هذه الأرقام عن حضور متكرر لمقاولات متخصصة في مشاريع تجهيز الملاعب، في سوق تتطلب خبرات تقنية وتجهيزات دقيقة وقدرات مالية ولوجستية مهمة. لكن تكرار فوز شركات بعينها لا يشكل، في حد ذاته، دليلاً على وجود احتكار أو خرق لقواعد المنافسة، إذ يظل التقييم الموضوعي مرتبطاً بفحص عدد المتنافسين في كل صفقة، وشروط المشاركة، ومعايير التنقيط، والفوارق بين العروض المالية والتقنية المقدمة.

ومن هنا تبرز أهمية إتاحة المعطيات التفصيلية المتعلقة بنتائج طلبات العروض، حتى يتسنى الوقوف على طبيعة المنافسة الفعلية، ومدى تكافؤ الفرص بين المقاولات، والأسباب التي جعلت بعض الشركات تحظى بحصة بارزة من هذه المشاريع.

تضع صفقة ملعب الحسن الثاني ببنسليمان حجم الإنفاق على التجهيزات الرياضية أمام اختبار حقيقي، بعدما وصلت قيمتها إلى 92.47 مليون درهم، عقب طلب عروض دولي شارك فيه أربعة متنافسين، مع تحديد مدة إنجاز الأشغال في 14 شهراً.

ويطرح هذا المبلغ سؤالاً مباشراً حول مكونات الصفقة، غير أن الإجابة لا يمكن اختزالها في ثمن العشب وحده. فالمشروع، وفق المعطيات المقدمة، يشمل تجهيز أرضية هجينة مدعمة بألياف اصطناعية، إلى جانب أنظمة الصرف والتهوية والسقي الآلي، فضلاً عن تجهيزات الإضاءة الاصطناعية المخصصة لمساعدة العشب على النمو.

وهذه المكونات التقنية تفسر جانباً من ارتفاع الكلفة، لكنها تجعل التدقيق في تفاصيل النفقات أمراً ضرورياً، خصوصاً أن الحكم على السعر لا يستقيم من خلال مقارنة المساحات وحدها، دون احتساب نوعية المواد المستعملة، وطبيعة الأشغال، والتجهيزات المدمجة، والضمانات المرتبطة بالتنفيذ والصيانة.

كما أن مشاركة أربعة متنافسين في طلب العروض تفتح مجالاً إضافياً للتدقيق في النتائج المالية والتقنية للعروض المقدمة، ومعرفة الفوارق بينها، ومدى تأثير المعايير المعتمدة في تحديد الفائز بالصفقة.

والسؤال الذي يستحق الإجابة هنا ليس فقط لماذا بلغت قيمة المشروع هذا المستوى، بل أيضاً كيف جرى احتساب الكلفة التفصيلية لكل مكون، وما الضمانات التي تكفل جودة الأرضية وقدرتها على الصمود أمام الاستعمال المكثف خلال السنوات المقبلة.

إلى جانب الأرقام الإجمالية، تطرح هذه السوق قضية أخرى تتعلق بقدرة المقاولات المغربية الأصغر حجماً على دخول المنافسة والفوز بحصة من المشاريع الكبرى.

فالعقود التي تشمل تقنيات هجينة وأنظمة متطورة للصرف والتهوية والسقي تتطلب مؤهلات فنية وتجهيزات متخصصة، فضلاً عن إمكانات مالية تسمح بتنفيذ الأشغال وفق الآجال والمواصفات المطلوبة. وقد تشكل هذه المتطلبات تحدياً أمام المقاولات التي لا تتوفر على القدرات نفسها التي تمتلكها التحالفات المتخصصة.

ولا يعني ذلك أن شروط الصفقات غير ملائمة أو أن المنافسة غير متكافئة، لكن تقييم الوضع يستلزم الاطلاع على دفاتر التحملات، ومعرفة مدى تناسب الشروط التقنية والمالية مع طبيعة المشاريع، وما إذا كانت تتيح مشاركة أوسع للمقاولات المؤهلة دون المساس بمعايير الجودة والسلامة.

وفي قطاع تتزايد فيه الاستثمارات استعداداً لكأس العالم 2030، تصبح المنافسة الفعلية عاملاً مهماً في ضبط الأسعار، وتوسيع قاعدة المستفيدين من المشاريع، وضمان عدم تحول التخصص التقني إلى عائق غير مبرر أمام المقاولات القادرة على تقديم عروض جيدة.

إذا كانت قيمة الصفقات المعلنة تكشف حجم الاستثمارات الأولية، فإن الكلفة الحقيقية لتجهيز الملاعب لا تتوقف عند لحظة تسليمها. فالأرضيات الرياضية تحتاج إلى صيانة دورية تشمل السقي والتسميد والمعالجة التقنية وتجديد بعض المكونات، بحسب طبيعة العشب ونظام التجهيز وكثافة الاستعمال.

وهنا تبرز ضرورة احتساب التكلفة الإجمالية على مدى سنوات التشغيل، وليس الاكتفاء بالمبلغ الذي رست عليه الصفقة في البداية. فقد تبدو بعض التجهيزات مرتفعة الكلفة عند الشراء، لكنها قد توفر نفقات الصيانة على المدى الطويل، في حين يمكن لتجهيزات أخرى أقل كلفة في البداية أن تفرض مصاريف إضافية لاحقاً.

ومن ثم، فإن المقارنة الاقتصادية السليمة تقتضي معرفة شروط الضمان، ومدد الصيانة المشمولة بالعقود، وكلفة قطع الغيار والتجديد، والجهة التي ستتحمل النفقات بعد انتهاء الالتزامات التعاقدية الأولية.

كما تكتسي مراقبة جودة التنفيذ واحترام آجال التسليم أهمية خاصة، لأن أي تأخير أو عيب تقني قد يترتب عليهما أثر مالي إضافي، فضلاً عن تأثيرهما المحتمل في جاهزية المنشآت الرياضية.

يؤطر المرسوم المغربي المنظم للصفقات العمومية قواعد أساسية تقوم على حرية الولوج إلى الطلبات العمومية، والمساواة بين المتنافسين، وشفافية إجراءات الاختيار، إلى جانب حسن تدبير الموارد العمومية.

وفي ضوء هذه المبادئ، فإن تقييم الصفقات الـ28 التي تتجاوز قيمتها الإجمالية 505 ملايين درهم يظل مرتبطاً بالوثائق التي تشرح كيفية إسناد العقود، ولا سيما محاضر فتح الأظرفة والتقييم، والعروض المالية والتقنية، ومعايير التنقيط، ومراحل مراقبة الأشغال، ومدى مطابقة الإنجاز للمواصفات المحددة في دفاتر التحملات.

كما أن المحافظة على الموارد المائية تفرض بدورها إدراج كلفة السقي واستهلاك المياه ضمن التقييم الاقتصادي طويل الأمد، خاصة بالنسبة إلى الملاعب التي تعتمد على مساحات واسعة من العشب الطبيعي أو أنظمة هجينة تتطلب تدبيراً تقنياً مستمراً.

وتتيح هذه المعطيات، عند توفرها، الانتقال من مجرد رصد أسماء الشركات وقيمة العقود إلى تقييم موضوعي لجدوى الإنفاق العمومي، ومدى احترام الالتزامات التعاقدية، والكلفة الحقيقية للتجهيز والتشغيل والصيانة.

مع اقتراب الاستحقاقات الرياضية الدولية، وفي مقدمتها كأس العالم 2030، تتجاوز أهمية هذه الصفقات مسألة معرفة الشركات التي فازت بالعقود، لتشمل قدرة المشاريع المنجزة على تحقيق أهدافها التقنية والرياضية، وضمان استدامتها دون تحميل الميزانية العمومية أعباء إضافية غير محسوبة.

فمبلغ يتجاوز 505 ملايين درهم، موزع على 28 صفقة خلال ثلاث سنوات، يستدعي تقديم صورة واضحة عن طبيعة الأشغال المنجزة، والتكلفة التفصيلية للتجهيزات، وحصيلة مراقبة الجودة، والالتزامات المالية التي ستستمر بعد التسليم.

ولا تسمح الأرقام وحدها بالجزم بوجود اختلالات أو تجاوزات، مثلما لا يكفي احترام المساطر الشكلية وحده للحكم على الجدوى الاقتصادية لكل مشروع. فالحسم يتطلب معطيات قابلة للفحص والمقارنة، تكشف ما إذا كانت الأموال المرصودة قد حققت أفضل النتائج الممكنة من حيث الجودة والكلفة والاستدامة.

وبين ضخامة الاستثمارات وتكرار أسماء بعض الشركات في العقود، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: كم ستكلف أرضيات الملاعب المغربية فعلياً بعد سنوات من الاستغلال، ومن سيتولى مراقبة جودة التجهيزات وتتبع نفقات الصيانة وضمان حماية المال العام؟

28/10/2026

مقالات خاصة

Related Posts