في محاولة جديدة لتأطير التحول الاقتصادي والاستراتيجي الذي يشهده المغرب بمنطق المنافسة والتهديد، اختارت صحيفة “أوروبا سور” الإسبانية تقديم المشاريع المينائية الكبرى للمملكة باعتبارها سباقا محموما يستهدف خنق المدن الإسبانية اقتصاديا، متجاهلة أن ما يجري على الضفة الجنوبية لمضيق جبل طارق ليس سوى ثمرة رؤية تنموية متكاملة، واستثمار طويل الأمد في الموقع الجغرافي والبنية التحتية والصناعة واللوجستيك.
وبلغة تكشف عن حجم التوجس، تصوّر الصحيفة المغرب منافسا يضغط بقوة على دواسة التسارع، ويمضي بخطى متسارعة في سباق اقتصادي وجيوسياسي لم تعد إسبانيا فيه بمنأى عن تداعيات التحولات الجارية. وهنا تستحضر مقولة غونزالو سيرانو، التي ارتبطت بالعصر الذهبي لسباقات الفورمولا 1: “إذا رمشتم أعينكم، فستفوتكم اللحظة”؛ وهي عبارة تختصر، إلى حد بعيد، ما يجري على الضفة الجنوبية للمتوسط.
فبينما تنشغل بعض الأوساط الإسبانية برصد كل خطوة مغربية بقلق، تواصل المملكة الضغط على دواسة التنمية، وتنتقل من مشروع إلى آخر بإيقاع متسارع، تاركةً لمن يكتفي بالمراقبة والتحذير خطر التأخر عن السباق. فالمسألة لم تعد تتعلق بمجرد توسعة ميناء أو إطلاق بنية تحتية جديدة، بل بتحول استراتيجي يجعل المغرب ينتقل من موقع جغرافي واعد إلى قطب اقتصادي وصناعي ولوجستي إقليمي يفرض حضوره في معادلات التجارة والاستثمار والربط البحري.
ومن الواضح أن المقال يحاول تحويل الإنجازات التنموية المغربية إلى مصدر قلق إسباني، عبر استعمال مفردات من قبيل “الخنق الاقتصادي” و”الكابوس” و”المنافسة الشرسة”، وكأن المغرب مطالب بالحصول على إذن مسبق من مدريد قبل أن يطور موانئه أو يعزز قدراته الصناعية أو يستثمر في بنيته التحتية.
إن طنجة المتوسط لم يصبح أحد أبرز الموانئ العالمية بفضل الخطابات الإعلامية، بل نتيجة استثمارات ضخمة، وشراكات دولية، وخيارات استراتيجية جعلت المغرب منصة حقيقية للتجارة والصناعة والتصدير. واليوم، فإن الإعلان عن توسعة جديدة لهذا المركب المينائي، بما يرفع قدرته الاستيعابية مستقبلا إلى مستويات أكبر، يعكس طموح المملكة في تعزيز موقعها داخل سلاسل الإمداد العالمية، وليس مؤامرة تستهدف ميناء الجزيرة الخضراء أو الاقتصاد الإسباني.
أما ميناء الناظور غرب المتوسط، الذي يتحدث عنه المقال بنبرة أقرب إلى الإنذار، فهو مشروع استراتيجي يفتح آفاقا جديدة للتنمية في منطقة الريف والجهة الشرقية، ويمنح المغرب قدرة إضافية على استقطاب الاستثمارات، وتطوير الأنشطة الصناعية والطاقية، وخلق فرص الشغل. ومن السهل على الصحافة الإسبانية أن تتحدث عن قربه من مليلية المغربية المحتلة باعتباره مصدر قلق، لكن الأصعب عليها هو الاعتراف بأن المغرب يواصل بناء مقومات التنمية في مناطقه، دون أن يجعل من حسابات الجوار الإسباني سقفا لطموحاته.
والأكثر إثارة للانتباه أن المقال يصف التوسع المينائي المغربي بأنه محاولة لخنق المدن الإسبانية اقتصاديا. وهي صياغة تكشف أكثر مما تخفي، لأنها تنقل النقاش من منطق المنافسة الاقتصادية المشروعة إلى منطق التخويف السياسي. فهل أصبح تطوير الموانئ في المغرب عملا عدائيا؟ وهل بات استقطاب الاستثمارات الدولية تهديدا لمجرد أن بعض الموانئ الإسبانية قد تواجه منافسة أقوى؟
إن الاقتصاد لا تحكمه الامتيازات التاريخية، ولا يضمن التفوق فيه مجرد التواجد الجغرافي على الضفة الشمالية للمتوسط. فالموانئ التي تتطور، والصناعات التي تتوسع، وشبكات النقل التي تتكامل، هي التي تفرض حضورها في السوق الدولية. وإذا كانت الجزيرة الخضراء تواجه تحديات تنافسية، فإن الحل لا يكمن في تصوير المغرب باعتباره خصما يتربص بها، بل في تطوير القدرات الإسبانية نفسها.
ويبدو أن صعود المغرب في صناعة السيارات، وتجاوزه جنوب إفريقيا وفق الأرقام التي يستند إليها المقال، يمثل بدوره مصدر انزعاج لدى بعض الأوساط الإسبانية. فالمملكة التي نجحت في استقطاب مصانع رينو وستيلانتيس وشركات صينية، لم تعد مجرد سوق استهلاكية أو محطة عبور، بل أصبحت قاعدة صناعية تتقدم بخطوات ملموسة نحو تعزيز صادراتها وتنويع اقتصادها.
إن الحديث عن المغرب بوصفه مستفيدا من دعم الولايات المتحدة وإسرائيل والصين وروسيا، في محاولة لتبسيط أسباب صعوده، يتجاهل حقيقة أساسية: الاستثمارات الدولية لا تتدفق إلى بلد لمجرد وجود علاقات سياسية، بل تبحث عن الاستقرار، والبنية التحتية، واليد العاملة المؤهلة، والقدرة على الإنتاج والتصدير. وهذه العناصر هي التي جعلت المغرب وجهة استثمارية متزايدة الأهمية.
وفي ملف رالي داكار 2027، يواصل المقال استعمال المنطق نفسه، إذ يقدم احتضان المغرب لمراحل من هذه المنافسة الرياضية باعتباره أداة لتلميع الصورة السياسية، ويعيد ربط الحدث بقضية الصحراء المغربية من زاوية تخدم الرواية الإسبانية التقليدية.
لكن الرياضة الدولية لا تتحرك وفق الأوصاف التي تختارها بعض الصحف، وإنما وفق قرارات المنظمين، والاعتبارات اللوجستية، والقدرة على توفير شروط تنظيم التظاهرات الكبرى. واستضافة المغرب لحدث بحجم رالي داكار تعكس مكانته المتنامية وقدراته التنظيمية، كما تمنح مناطقه فرصا اقتصادية وسياحية إضافية.
أما محاولة إقحام إسبانيا عنوة في كل تفصيل يتعلق بالحدث، وتصوير عبور قافلة الرالي للأراضي الأندلسية وصولا إلى المغرب باعتباره نقطة جدل، فتبدو امتدادا لخطاب يرفض الاعتراف بأن المملكة أصبحت شريكا محوريا في تنظيم الفعاليات الدولية العابرة للقارات.
وفي ما يتعلق بالصحراء المغربية، يذهب المقال أبعد من التحليل الاقتصادي، ليعيد إنتاج خطاب سياسي عدائي، ويتعامل مع المشاريع التنموية والرياضية التي تحتضنها الأقاليم الجنوبية باعتبارها أدوات لتكريس واقع غير قانوني وفق تصوره. وهو طرح يعكس موقف الصحيفة أكثر مما يقدم قراءة موضوعية للتحولات الدبلوماسية التي يعرفها الملف.
كما يحاول المقال استثمار الحديث عن مستقبل بعثة المينورسو، والتصويت داخل مجلس الأمن، في بناء صورة عن المغرب باعتباره طرفا يسعى إلى إقصاء أي دور أممي. غير أن معالجة قضية الصحراء المغربية لا يمكن اختزالها في عبارات مثيرة أو في تأويلات إعلامية متسرعة، بل تقتضي العودة إلى المسار الأممي، ومواقف الدول، والتحولات التي يعرفها النقاش الدولي بشأن الحل السياسي.
ومن اللافت أيضا أن الصحيفة تستحضر الجزائر وما يسمى بجبهة البوليساريو في سياق الحديث عن التسلح والتصعيد، وكأن كل مشروع اقتصادي مغربي يجب أن يُقرأ تلقائيا من زاوية التوتر الإقليمي. وهذا المنطق يساهم في تغذية المخاوف بدل تقديم تحليل متوازن لمصالح المنطقة، التي تحتاج إلى التنمية والاستقرار والتعاون الاقتصادي.
إن المغرب، وهو يوسع موانئه ويعزز صناعاته ويطور شبكات النقل والطاقة، لا يعلن حربا اقتصادية على إسبانيا، بل يمارس حقه السيادي في التنمية وبناء المستقبل. أما تحويل هذه المشاريع إلى “كابوس” أو “خنق اقتصادي”، فهو تعبير عن ذهنية لا تزال تجد صعوبة في استيعاب التحول الذي تعرفه المملكة.
لقد تغيرت قواعد اللعبة في غرب المتوسط. ولم يعد المغرب مجرد جار ينتظر ما تقرره العواصم الأوروبية، بل أصبح فاعلا اقتصاديا واستراتيجيا يملك مشاريعه ورهاناته وشبكة شراكاته الدولية.
وإذا كانت مدريد وبعض منابرها الإعلامية ترى في طنجة المتوسط والناظور غرب المتوسط ورالي داكار مؤشرات على سباق مقلق، فإن الحقيقة الأكثر وضوحا هي أن المغرب اختار طريق البناء والتوسع، فيما لا يزال جزء من الخطاب الإسباني منشغلا بتفسير نجاحاته بلغة التهديد.
المغرب لا يضغط على دواسة التسارع لإرباك إسبانيا، بل ليحجز لنفسه موقعا متقدما في اقتصاد العالم. أما من يرى في كل رافعة مينائية مغربية كابوسا، فربما عليه أن يراجع حساباته، لا أن يطالب المغرب بإبطاء قطار التنمية.
02/11/2026