دخل الذهب مرحلة حرجة في الأسواق العالمية، بعدما تلقى سلسلة من الضربات المتلاحقة التي أفقدته جزءاً مهماً من مكاسبه، وأعادت المخاوف من تكرار سيناريو الانهيارات السعرية الكبرى إلى واجهة التداولات، في وقت تتزايد فيه المؤشرات على أن موجة التراجع الحالية قد لا تكون مجرد تصحيح عابر، بل بداية اختبار صعب لقدرة المعدن النفيس على استعادة توازنه.
ولم يكن قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي تثبيت أسعار الفائدة كافياً لطمأنة المستثمرين، بل حملت الإشارات الصادرة عن البنك المركزي رسائل أكثر تشدداً، بعدما فتحت الباب أمام احتمال العودة إلى رفع الفائدة، وهو ما منح الدولار الأمريكي دفعة إضافية وأشعل موجة ضغوط جديدة على الذهب، بالنظر إلى العلاقة العكسية التي تربط العملة الأمريكية بالمعدن الأصفر.
وتتجاوز أسباب هذا التراجع حدود السياسة النقدية الأمريكية، إذ تتداخل معها تحركات صناديق الاستثمار الكبرى، وعمليات جني الأرباح وتسوية المراكز المالية، فضلاً عن تغير سلوك بعض البنوك المركزية التي تحولت من الشراء إلى البيع، في تطور يهدد أحد أهم مصادر الدعم التي اعتمد عليها الذهب خلال السنوات الماضية.
وفي قراءة لما يجري داخل الأسواق، قال خبير أسواق المال وائل النحاس، في تصريح لهيئة الإذاعة البريطانية، إن الذهب فقد خلال الفترة الأخيرة مستويات دعم فنية مهمة، مرجحاً أن تكون عمليات البيع المكثفة التي نفذتها صناديق استثمار كبرى وراء جانب مهم من هذا التراجع.
وأوضح أن عدداً من المؤسسات المالية لجأ إلى إغلاق مراكز مفتوحة وتغطية مراكز مكشوفة، بالتزامن مع تسويات شهرية وربع سنوية شملت محافظ استثمارية ضخمة، فضلاً عن عمليات إعادة توزيع الأصول وتنويع مكونات الصناديق، وهي تحركات زادت من حجم المعروض في السوق وعمقت خسائر المعدن النفيس.
ورغم حدة التراجع، يرى النحاس أن الأسعار الحالية قد تفتح المجال أمام المستثمرين لاقتناص فرص الشراء، خصوصاً إذا استقرت الأسواق عند مستويات تسمح ببناء قاعدة سعرية جديدة.
وتشير المعطيات الواردة في التقرير إلى تداول الذهب قرب 3475 دولاراً للأونصة، وسط تقديرات فنية ترجح ضرورة اختباره مستويات تتراوح بين 3300 و3400 دولار قبل إمكانية تكوين قاع جديد والانطلاق مجدداً نحو الصعود.
ومن أكثر السيناريوهات إثارة للقلق في المرحلة الحالية، المقارنة بين ما يتعرض له الذهب اليوم والانهيار الذي شهده خلال الأزمة المالية العالمية سنة 2008.
ففي تلك الفترة، لم يكن تراجع الذهب ناتجاً عن فقدان الثقة فيه بقدر ما كان انعكاساً لسباق محموم نحو السيولة، بعدما اندفع المستثمرون إلى بيع الأصول التي لا تحقق عائداً مباشراً، وفي مقدمتها الذهب، للحصول على الدولار الأمريكي لمواجهة الالتزامات المالية والخسائر المتراكمة.
وجاءت تلك الموجة عقب انهيار بنك ليمان براذرز، حيث تراجعت أسعار الذهب من مستويات قاربت 1000 دولار للأونصة في مارس 2008 إلى نحو 700 دولار في أكتوبر من العام نفسه، في واحدة من أبرز موجات الهبوط التي عرفها المعدن الأصفر.
ويعيد هذا التشابه إلى الأذهان احتمال تعرض الذهب لضغوط إضافية إذا تفاقمت الحاجة إلى السيولة أو اضطرت المؤسسات المالية إلى تصفية المزيد من أصولها.
الفيدرالي الأمريكي يضع الذهب تحت ضغط الدولار
وتشكل السياسة النقدية الأمريكية أحد أبرز التحديات التي تواجه المعدن النفيس، بعدما عززت تصريحات مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي التوقعات باستمرار النهج النقدي المتشدد، خصوصاً مع بروز مواقف داخل البنك تدعم الإبقاء على الفائدة عند مستويات مرتفعة لفترة أطول.
وتنعكس هذه التوجهات مباشرة على الدولار وعوائد سندات الخزانة الأمريكية، إذ يؤدي ارتفاع العوائد الحقيقية إلى تقليص جاذبية الذهب، الذي لا يوفر لحائزيه عائداً دورياً مثل السندات والأدوات المالية الأخرى.
ويرى شادي عبده، مدير قسم أبحاث الأسواق لدى OW Markets، أن التراجعات الأخيرة تعكس تحولاً في توقعات المستثمرين بشأن السياسة النقدية الأمريكية، مشيراً إلى أن الضغوط لا ترتبط بقرار تثبيت الفائدة وحده، وإنما تمتد إلى تأثيره على الدولار وعوائد سندات الخزانة.
وحذر عبده من استمرار الضغوط البيعية على الذهب حتى نهاية سنة 2026، إذا حافظ الدولار على قوته وظلت العوائد الحقيقية مرتفعة، معتبراً أن مسار أسعار الفائدة سيظل عاملاً حاسماً في تحديد اتجاه المعدن خلال المرحلة المقبلة.
البنوك المركزية تتحول إلى مصدر قلق
ولم تعد البنوك المركزية تشكل جبهة دعم موحدة للذهب، بعدما كشفت بيانات حديثة عن تراجع مشتريات بعض المؤسسات النقدية، بل واتجاه بعضها إلى بيع كميات كبيرة من احتياطياته.
وتبرز روسيا ضمن أبرز الأمثلة على هذا التحول، بعدما سجلت مبيعات صافية بلغت نحو 44 طناً من الذهب خلال النصف الأول من سنة 2026، وفق البيانات المنسوبة إلى مجلس الذهب العالمي.
كما أظهرت الأرقام تراجع احتياطيات الذهب الروسية إلى 2282.98 طناً خلال الربع الثاني من السنة الجارية، مقابل 2304.75 طناً في الربع الأول، في انخفاض يعكس تغيراً لافتاً في إدارة موسكو لاحتياطياتها من المعدن النفيس.
ويربط وائل النحاس هذه التحركات باحتياجات روسيا التمويلية وبمحاولاتها التعامل مع القيود والعقوبات الغربية، مرجحاً وجود عمليات بيع تتم عبر قنوات تجارية لا تحظى بالشفافية الكاملة أمام المؤسسات الدولية.
كما تحدث عن احتمال استفادة الصين من هذه التحركات لشراء الذهب بأسعار مخفضة، في إطار تعاملات لا تتوافر بشأنها، بحسب تقديره، معطيات علنية كافية لتأكيد تفاصيلها.
وفي تطور آخر يزيد المشهد تعقيداً، برز ارتفاع أسعار النفط ومنتجات الطاقة باعتباره عاملاً غير مباشر في الضغط على الذهب، بعدما اضطرت بعض الدول إلى تسييل جزء من احتياطياتها لتوفير التمويلات اللازمة لمواجهة ارتفاع تكاليف الاستيراد.
وتأتي تركيا في مقدمة الدول التي اتجهت إلى هذا الخيار، إذ أشار النحاس إلى أن أنقرة لجأت إلى بيع كميات من احتياطياتها الذهبية لتغطية احتياجات تمويلية مرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة.
وكانت تقارير اقتصادية قد تحدثت عن بيع البنك المركزي التركي ذهباً بقيمة تقارب ثمانية مليارات دولار، أي ما يعادل نحو 60 طناً، فيما أشارت تقارير أخرى إلى عمليات بيع سابقة شملت قرابة 50 طناً.
وتكشف هذه التطورات أن ارتفاع أسعار النفط، الذي يرتبط عادة بالتوترات الجيوسياسية، لا ينعكس بالضرورة إيجاباً على الذهب، بل قد يدفع بعض الدول إلى بيع احتياطياتها لتوفير السيولة اللازمة لشراء الطاقة.
ورغم المشهد الضاغط، لا تزال هناك عوامل تحول دون اعتبار موجة الهبوط حكماً نهائياً على مستقبل المعدن الأصفر، وفي مقدمتها استمرار مشتريات بعض صناديق الاستثمار المتداولة، إلى جانب الطلب المؤسسي واحتفاظ عدد من البنوك المركزية بالذهب باعتباره أصلاً استراتيجياً.
كما تظل التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط عاملاً قادراً على إعادة تنشيط الطلب على المعدن النفيس، باعتباره ملاذاً آمناً في أوقات الاضطرابات وعدم اليقين.
غير أن استمرار تراجع التوترات العسكرية، وتحسن شهية المستثمرين تجاه الأصول ذات العوائد، قد يقلصان من جاذبية الذهب ويزيدان صعوبة تعافيه.
وبين قوة الدولار، واحتمالات تشديد السياسة النقدية الأمريكية، ومبيعات بعض البنوك المركزية، وارتفاع فاتورة الطاقة، يجد الذهب نفسه أمام اختبار بالغ الصعوبة، فيما ستحدد تحركات المستثمرين والمؤسسات المالية خلال الأسابيع المقبلة ما إذا كان التراجع الحالي مجرد كبوة مؤقتة أم بداية مرحلة أطول من التصحيح والضغوط السعرية.
03/11/2026