تتجه أنظار الفاعلين الأمازيغيين من مختلف بلدان شمال إفريقيا والمهجر إلى العاصمة المغربية الرباط، التي تحتضن يومي 6 و7 نونبر 2026 أشغال المؤتمر العالمي الحادي عشر لأمازيغ العالم، تحت شعار «اتحاد تامازغا: أي دور للشعوب والمجتمعات الأمازيغية في بنائه؟»، في محطة دولية تعيد النقاش حول الهوية الأمازيغية وامتدادها التاريخي والحضاري، ومستقبل التنسيق بين مكوناتها عبر المنطقة.
ويأتي اختيار الرباط لاحتضان هذا الموعد في سياق يحمل أكثر من دلالة، ليس فقط باعتبارها عاصمة المملكة وفضاءً للتفاعل السياسي والمؤسساتي، وإنما أيضاً بالنظر إلى ما تختزنه الذاكرة المغربية من محطات تاريخية ارتبطت بوحدة أجزاء واسعة من شمال إفريقيا والأندلس، وفي مقدمتها تجربة الدولة الموحدية، التي يستحضرها منظمو المؤتمر باعتبارها إحدى المحطات التاريخية المرتبطة بفكرة الوحدة في الفضاء المغاربي.
ويكتسي هذا النقاش أهمية خاصة في ظل استمرار الجدل حول حقيقة الامتداد الأمازيغي في المغرب وشمال إفريقيا، حيث لا يمكن اختزال الهوية الأمازيغية في عدد الأشخاص الذين يتحدثون اللغة الأمازيغية حالياً. فالتعريب اللغوي الذي عرفته مناطق واسعة من المغرب على امتداد قرون لا يعني بالضرورة اختفاء الأصول الأمازيغية لسكانها، إذ إن التحول في لغة التخاطب لا يمحو تلقائياً الجذور العائلية والتاريخية.
وفي هذا السياق، يبرز التمييز بين الإحصاءات التي تقيس استعمال اللغة الأمازيغية وبين الأصول التاريخية للسكان؛ فالأرقام الرسمية المتعلقة بالمتحدثين بالأمازيغية لا تقدم صورة شاملة عن الامتداد الأمازيغي داخل المجتمع المغربي. كما أن التقديرات التي تذهب إلى أن أكثر من 95 في المائة من المغاربة ينحدرون من أصول أمازيغية لا تستند إلى إحصاء رسمي أو دراسة ديمغرافية حاسمة، رغم أن الحضور التاريخي للأمازيغ في مختلف مناطق المملكة يجعل هذا البعد محوراً أساسياً في فهم تشكل الهوية المغربية.
فمن الريف إلى الأطلس، ومن سوس إلى الشرق والشمال، وصولاً إلى مناطق أخرى من المملكة، ظلت المكونات الأمازيغية حاضرة في التاريخ والذاكرة والعادات والتقاليد، حتى في المناطق التي أصبحت الدارجة العربية لغتها اليومية. وهي مسألة تعيد التأكيد على أن الأمازيغية ليست مجرد لغة، وإنما امتداد حضاري وثقافي وتاريخي يتجاوز الحدود الجغرافية والتصنيفات اللغوية الضيقة.
ولا يقتصر هذا الامتداد على المغرب، بل يشمل شعوباً ومجتمعات أمازيغية في الجزائر وتونس وليبيا وموريتانيا ومناطق أخرى من شمال إفريقيا، فضلاً عن جاليات واسعة في أوروبا وباقي بلدان المهجر، وهو ما يمنح شعار «اتحاد تامازغا» أبعاداً تتجاوز النقاش الثقافي إلى البحث في إمكانات بناء فضاء للتعاون والتنسيق بين هذه المكونات.
ويأتي تنظيم المؤتمر تتويجاً لمسار فكري وتنظيمي يمتد لأكثر من 31 سنة، منذ تأسيس التجمع العالمي الأمازيغي بمدينة سان رومي دو دولان جنوب فرنسا سنة 1995، حيث راكمت هذه المبادرة تجربة من اللقاءات والمؤتمرات الدولية التي احتضنتها مدن متعددة، من بينها طافيرة بجزر الكناري، وليون، وروبيه/ليل، والناظور، وتيزي وزو، وبروكسل، وتيزنيت، وإفران، ومراكش، وورزازات.
ومن المرتقب أن تحتضن فعاليات هذه الدورة بنادي المحامين بالرباط، حيث ستنطلق الأشغال بجلسة افتتاحية رسمية يلقي خلالها رئيس التجمع العالمي الأمازيغي، رشيد راخا، كلمة ترحيبية، إلى جانب كلمات لشخصيات مدعوة وممثلي منظمات أمازيغية مشاركة.
وسيخصص اليوم الأول لتكريم مجموعة من الشخصيات التي بصمت مسار الدفاع عن الثقافة والهوية الأمازيغيتين، ويتعلق الأمر بمريم دمناتي، ولحسن أولحاج، وعبد اللطيف أدبيب، ومحند خاسر أورمدان من الجزائر، وروضة بن هنية من تونس، وحما أغ محمود عن الطوارق، ومحمد محمود طلبة من موريتانيا.
كما يتضمن البرنامج محاضرتين افتتاحيتين حول موضوع «اتحاد تامازغا»، بمشاركة الدكتور محمد شتاتو والدكتور ميمون شرقي، قبل الانتقال إلى جلسات عامة مفتوحة أمام المشاركين والصحافيين، لمناقشة القضايا المرتبطة بموضوع المؤتمر وآفاق العمل الأمازيغي المشترك.
أما اليوم الثاني، فسيخصص لجلسة عامة للمشاركين في التجمع العالمي الأمازيغي، ستتم خلالها مناقشة التقريرين الأدبي والمالي للفترة الممتدة من 2022 إلى 2026 والتصويت عليهما، فضلاً عن انتخاب الهيئات الجديدة واعتماد البيان الختامي للمؤتمر.
وبين استحضار التاريخ وطرح أسئلة المستقبل، تضع الدورة الحادية عشرة للمؤتمر العالمي لأمازيغ العالم قضية وحدة تامازغا أمام نقاش دولي جديد، في محاولة لاستكشاف الدور الذي يمكن أن تضطلع به الشعوب والمجتمعات الأمازيغية في بناء فضاء مشترك، يحافظ على التنوع والخصوصيات المحلية، ويستحضر الجذور الحضارية المشتركة لشعوب شمال إفريقيا.
03/11/2026