فجّر ملف إدراج مدن في جمهورية القبائل المحتلة من طرف الجزائر ضمن سجل التراث العربي الوافد مواجهة جديدة حول الهوية والتاريخ في الجزائر، بعدما اتهمت حركة تحرير جمهورية القبائل (ماك) ، السلطات الجزائرية بمحاولة إعادة رسم الذاكرة التاريخية للجمهورية، عبر تقديم مدن ذات جذور أمازيغية عريقة باعتبارها جزءاً من التراث العربي ، في خطوة وصفتها بأنها امتداد لسياسة التعريب التي ظلت، بحسب اتهاماتها، تستهدف الخصوصية الحضارية للشعب الأمازيغي منذ استقلال البلاد.
ولم تعد القضية، وفق الموقف الذي عبّر عنه فرحات مهني، رئيس حركة «ماك»، مجرد خلاف حول تصنيف إداري أو تسجيل ثقافي لدى مؤسسة عربية، بل تحولت إلى مواجهة بشأن من يملك حق تعريف تاريخ المدن وتحديد هويتها ونسب حضارتها. فالحركة ترى أن إلحاق مدن أمازيغية بسجل التراث العربي، دون إبراز أصولها التاريخية، يفتح الباب أمام إعادة كتابة الماضي وفق تصورات سياسية وهوياتية لا تعكس بالضرورة حقيقة التعدد الحضاري للمنطقة.
وفي رسالة وجهها إلى جامعة الدول العربية ومنظمة اليونسكو، أثار مهني تساؤلات بشأن المعايير التاريخية والعلمية التي اعتمدتها الجزائر لإدراج مدن ندرومة وبجاية وميلة ضمن سجل التراث العربي التابع لمرصد التراث المعماري والعمراني في البلدان العربية، متسائلاً عن الأسس التي تسمح بتصنيف هذه المدن ضمن فضاء حضاري واحد، دون إعطاء الاعتبار الكافي لجذورها وهوياتها الأصلية.
وذهب زعيم الحركة إلى التأكيد أن بجاية وميلة مدينتان ذات امتداد قبائلي وأمازيغي، بينما ترتبط ندرومة بتاريخ مغربي عريق، معتبراً أن تقديم هذه المدن باعتبارها جزءاً من تراث عربي حصري يتجاهل طبقات تاريخية وثقافية سبقت التصنيفات السياسية الحديثة، ويهدد بتحويل التنوع الحضاري إلى رواية أحادية.
وشدد مهني على أن الاعتراف بالتأثيرات العربية والإسلامية التي عرفتها المنطقة عبر القرون لا ينبغي أن يتحول إلى مبرر لإلغاء المكونات الأمازيغية أو الاستيلاء الرمزي على ذاكرتها التاريخية، موضحاً أن التفاعل بين الحضارات لا يعني ذوبان هوية حضارة في أخرى، ولا يمنح أي جهة الحق في إعادة نسب التراث الثقافي لشعب آخر.
واعتبرت الحركة أن الإشكال يتجاوز مجرد اختلاف في التسمية، ليطرح سؤالاً أعمق حول مصير التراث الأمازيغي في ظل سياسات التعريب، وما إذا كان تسجيل المعالم والمدن في المؤسسات الثقافية العربية يجري على أساس الاعتراف بتعدد أصولها أم من خلال تقديمها ضمن هوية واحدة تطغى على باقي المكونات.
وفي تصعيد لافت، وصف مهني ما يجري بأنه شكل من أشكال السلب الثقافي وتزوير التاريخ، معتبراً أن تحويل تراث أمازيغي إلى تراث عربي حصري، دون توضيح جذوره وهويته الخاصة، يمثل مساساً بالذاكرة الجماعية للقبائل، ويعيد إلى الواجهة اتهامات الحركة للسلطات الجزائرية بممارسة سياسة إنكار للخصوصية التاريخية واللغوية والثقافية للمنطقة.
وأضاف أن هذه الخطوة تكتسي دلالات أكبر بالنظر إلى السياق السياسي الذي تعيشه منطقة القبائل، حيث تتهم الحركة الدولة الجزائرية بمحاولة فرض تصور موحد للهوية الوطنية على حساب الخصوصيات الثقافية والتاريخية، وهو ما تعتبره استمراراً لمنهج التعريب الذي طبع مراحل من تاريخ الجزائر الحديث.
وأعلنت حركة «ماك»، التي تقول إنها أعلنت استقلال منطقة القبائل في 14 دجنبر 2025، عزمها مواصلة الدفاع عن هويتها وتراثها أمام المؤسسات الدولية، مطالبة بأن تقوم العلاقات مع هذه المؤسسات على الاعتراف بالتعدد واحترام الذاكرة التاريخية للشعوب، بعيداً عن أي تصنيف قد يؤدي إلى تهميش هوياتها الأصلية.
كما دعت جامعة الدول العربية إلى عدم التعامل مع إدراج أي تراث ضمن سجلاتها باعتباره امتلاكاً حصرياً لتاريخ وهوية الشعوب التي تنتمي إليها المدن المعنية، مطالبة السلطات الجزائرية بالكشف عن المعايير التاريخية والعلمية والثقافية التي استندت إليها في هذا التصنيف، ونشر الوثائق التي تبرره.
وختمت الحركة موقفها بالتأكيد أن حماية التراث لا يمكن أن تتحول إلى وسيلة لصهر الهويات أو إعادة صياغة التاريخ وفق اعتبارات سياسية، مشددة على أن الاعتراف الحقيقي بالتراث يقتضي احترام أصوله المتعددة، واستشارة المجتمعات المعنية، وعدم تحويل الذاكرة الأمازيغية إلى مجرد تفصيل داخل رواية حضارية أخرى.
وبذلك، يعيد هذا الملف فتح واحد من أكثر الأسئلة حساسية في الجزائر: هل يمكن حماية التراث دون الاعتراف الكامل بهوية أصحابه، أم أن معركة التعريب باتت تمتد، وفق اتهامات حركة القبائل، من اللغة والثقافة إلى الذاكرة التاريخية نفسها؟
03/11/2026