تواجه أقاليم الناظور والدريوش وبركان ووجدة والحسيمة وتازة أزمة متفاقمة في اليد العاملة، باتت تلقي بظلالها على عدد من القطاعات الاقتصادية، وفي مقدمتها الفلاحة والبناء والأوراش المهنية، بعدما أدى نزيف الهجرة نحو أوروبا خلال السنوات الأخيرة إلى استنزاف جزء مهم من القوى العاملة، خصوصاً في صفوف الشباب الذين كانوا يشكلون العمود الفقري للأنشطة الإنتاجية بهذه المناطق.
وأصبح العثور على عمال، حتى مقابل أجور يومية مرتفعة، مهمة شاقة بالنسبة إلى عدد من الفلاحين وأرباب المقاولات والشركات، الذين يجدون أنفسهم أمام أوراش متوقفة ومحاصيل فلاحية مهددة بالتلف، في ظل تراجع العرض من اليد العاملة المحلية وعدم قدرة السوق على تلبية حاجيات مختلف الأنشطة الاقتصادية.
وتشير تقديرات لدى جهات حقوقية دولية إلى أن عدد المغاربة الذين غادروا البلاد باتجاه الخارج خلال السنوات الخمس أو الست الأخيرة قد يقترب من مليون شخص، وهي أرقام تظل غير رسمية، لكنها تعكس حجم التحولات التي عرفتها خريطة الهجرة المغربية، خصوصاً في أقاليم الشمال الشرقي والريف والشمال الغربي ، التي فقدت أعداداً كبيرة من شبابها بفعل الهجرة نحو أوروبا.
وفي تصريح لجريدة “كواليس الريف” ، كشف أحد الفلاحين بإقليم الحسيمة عن معاناة غير مسبوقة بسبب غياب العمال الموسميين، موضحاً أنه يتوفر على مئات الهكتارات المزروعة بأشجار الزيتون، لكنه اضطر إلى ترك المحصول فوق الأشجار دون جني، بسبب عجزه عن العثور على العمال.
وأضاف المتحدث أنه تنقل إلى عدد من المناطق بحثاً عن يد عاملة تساعده في إنقاذ محصوله، غير أنه لم يتمكن من إيجاد العمال الذين يحتاج إليهم، وهو الوضع الذي قال إنه لا يقتصر عليه وحده، بل أصبح يواجه عدداً من الفلاحين بإقليم الحسيمة، الذين باتوا مهددين بخسارة محاصيلهم رغم توفرهم على الأراضي والإنتاج والقدرة على تسويقه.
ولا تختلف الصورة كثيراً في قطاع البناء بإقليم الناظور، حيث كشف أحد المقاولين، في تصريح للجريدة، أن العثور على عمال أصبح من أكبر العراقيل التي تواجه المقاولات، حتى عندما يتعلق الأمر بأجور يومية مرتفعة مقارنة بما كان معمولاً به في السابق.
وأوضح المقاول أن أجر العامل المختص في البناء وصل إلى حوالي 350 درهماً في اليوم، فيما يتراوح أجر مساعد البناء بين 200 و250 درهماً، ومع ذلك لا يجد أرباب الأوراش العدد الكافي من العمال لاستمرار الأشغال بشكل طبيعي.
واعتبر المتحدث أن هذه الزيادات الكبيرة في الأجور أصبحت تثقل كاهل المقاولات، ولا تنعكس بالضرورة على أرباحها، خصوصاً أن أسعار بيع الشقق، التي تتراوح في بعض المشاريع بين 40 و45 مليون سنتيم، لا تسمح دائماً بتحمل الارتفاع المتواصل في تكاليف اليد العاملة ومواد البناء، ما يضع المقاولين أمام معادلة اقتصادية صعبة.
وأضاف أن بعض المقاولات اضطرت إلى الاستعانة بعمال من جنسيات إفريقية وآسيوية لسد الخصاص، بعدما تعذر عليها العثور على عمال مغاربة، غير أن تشغيل بعض المهاجرين الأفارقة، وفق إفادته، يظل محفوفاً بصعوبات مرتبطة بالحملات الأمنية التي تستهدف المهاجرين الموجودين في وضعية غير نظامية، حيث تؤدي عمليات توقيفهم ونقلهم إلى مناطق أخرى، من بينها ميدلت وأزيلال وزاكورة ومناطق أخرى، إلى فقدان المقاولات لعمالها بشكل مفاجئ، وبالتالي تعطل الأشغال وتأخر إنجاز المشاريع.
وتكشف هذه التصريحات عن مفارقة اقتصادية لافتة تعيشها المنطقة؛ فبينما تتوفر أقاليم الناظور والدريوش وبركان ووجدة والحسيمة على مؤهلات فلاحية وعمرانية واستثمارية مهمة، تجد قطاعات واسعة منها نفسها عاجزة عن مواصلة نشاطها بسبب نقص الموارد البشرية، في وقت أصبح فيه بعض أرباب العمل يبحثون عن العمال أكثر مما يبحث العمال عن فرص الشغل.
ولا تقتصر تداعيات هذه الأزمة على جني الزيتون وقطاع البناء، بل تمتد إلى أنشطة اقتصادية ومهنية أخرى تحتاج إلى عمالة يومية كالمقاهي ، الأمر الذي يطرح تساؤلات حول مستقبل عدد من المشاريع والاستثمارات بالمنطقة، وقدرتها على الاستمرار في ظل هذا الخصاص المتزايد.
وبينما شكلت الهجرة إلى أوروبا، بالنسبة إلى آلاف الشباب، فرصة لتحسين أوضاعهم الاجتماعية والاقتصادية، فإن انعكاساتها على سوق الشغل المحلية أصبحت أكثر وضوحاً، خصوصاً في المناطق التي فقدت أعداداً مهمة من عمالها وحرفييها وأصحاب المهن اليدوية.
وتضع هذه المعطيات السلطات والجهات المعنية أمام تحدي البحث عن حلول عملية لإعادة التوازن إلى سوق الشغل، من خلال تشجيع الشباب على الاستقرار والعمل محلياً، وتحسين جاذبية المهن الفلاحية والحرفية، وتطوير آليات التكوين والتشغيل، بما يضمن استمرار الأنشطة الاقتصادية ويحمي الاستثمارات والمحاصيل من الخسائر.
ففي الوقت الذي تتجه فيه أنظار المنطقة إلى فرص التنمية والاستثمار، بات السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: كيف يمكن الحديث عن إقلاع اقتصادي في أقاليم تفقد شبابها ويدها العاملة، ويجد فيها الفلاح نفسه عاجزاً عن جني محصوله، والمقاول غير قادر على استكمال مشروعه، حتى بعدما أصبحت الأجور اليومية تصل إلى مئات الدراهم؟
03/11/2026