وجد الرئيس الجزائري تبون نفسه، مع إحياء الذكرى الـ72 لاندلاع ثورة التحرير، أمام عودة شهادة فنية تاريخية يصعب تجاوزها أو تجاهل مضمونها، بعدما أعاد مقطع من أغنية للفنان الراحل الحاج محمد العنقى تسليط الضوء على الدور المغربي في دعم الثورة الجزائرية، وعلى الإشادة الصريحة التي خص بها الفنان الملك الراحل الحسن الثاني، في وقت تتعرض فيه الذاكرة المشتركة بين البلدين لمحاولات انتقائية تثير الكثير من علامات الاستفهام.
فالجدل الذي اجتاح مواقع التواصل الاجتماعي لم يكن بسبب أغنية قديمة فحسب، بل بسبب كلمات تعيد إحراج الرواية التي تحاول السلطات الجزائرية تكريسها بشأن تاريخ الثورة وعلاقة المغرب بها. فحين يستحضر فنان جزائري من حجم الحاج محمد العنقى اسم الملك الحسن الثاني ويصفه ضمن «الشرفاء الأعيان»، ويشيد بالدعم المغربي، فإن هذه الشهادة تصبح جزءا من الذاكرة التاريخية التي لا يمكن محوها بقرار سياسي أو تجاوزها بخطاب رسمي.
وتتضمن أغنية «الحمد لله ما بقاش الاستعمار في بلادنا» مقطعا يقول فيه العنقى: «مولاي الحسن الثاني فالحروب كتافنا، بن مولاي إدريس بن إدريس الشرفاء الأعيان»، وهي أبيات واضحة في دلالتها، تستحضر مكانة الملك الراحل وتؤكد حضور المغرب في ذاكرة أحد أبرز رموز الفن الشعبي الجزائري.
الأكثر إثارة للانتباه أن عودة هذه الكلمات تزامنت مع ظهور تبون خلال مراسم الاحتفال بذكرى الثورة، بينما اختار نشطاء جزائريون إعادة نشر المقطع الذي لا يحظى، بحسب ما أثاره متابعون، بالحضور نفسه في بعض النسخ المتداولة من الأغنية. وهو ما أعاد طرح اتهامات بوجود انتقائية في تقديم التراث الفني والتاريخي الجزائري، وسط مطالب بكشف حقيقة حذف الأبيات أو تغييبها، والجهات التي تقف وراء ذلك إن ثبت وقوعه.
وتتحول القضية، في هذا السياق، إلى اختبار حقيقي لمدى احترام السلطة الجزائرية للتاريخ كما وثقه فنانوها وشهودها، بدل إخضاعه لاعتبارات سياسية ظرفية. فليس من المقبول أن تتحول الذاكرة الوطنية إلى مادة قابلة للانتقاء، بحيث يتم الاحتفاء بأجزاء من التراث وإبعاد أجزاء أخرى لمجرد أنها تذكر بالدور المغربي في معركة الاستقلال.
كما عادت إلى الواجهة شهادات نشرتها وسائل إعلام جزائرية بشأن الظروف الاجتماعية والمادية الصعبة التي عاشها الحاج محمد العنقى في سنواته الأخيرة قبل وفاته سنة 1978، وحديث مقربين منه عن عرض الملك الحسن الثاني استضافته بالمغرب وتوفير ظروف عيش كريمة له، وهي معطيات تزيد من أهمية إعادة قراءة هذا الإرث بعيدا عن الحسابات السياسية الضيقة.
إن محاولة بناء رواية تاريخية تقوم على تغييب الشهادات المزعجة أو حذف المقاطع التي لا تخدم الخطاب الرسمي، إن ثبتت، لا تمثل مجرد إساءة إلى فنان جزائري كبير، بل تمس حق الجزائريين في معرفة تاريخهم كاملا، بما يتضمنه من محطات تعاون ومساندة مغربية لا يمكن إنكارها.
وفي نهاية المطاف، فإن كلمات الحاج محمد العنقى تظل شاهدا من داخل الوجدان الفني الجزائري على مرحلة تاريخية لا تستطيع الحملات السياسية تغيير وقائعها. أما الرئيس تبون والسلطات الجزائرية، فهما أمام سؤال واضح: لماذا لا يُترك للتاريخ أن يتحدث بكل تفاصيله، ولماذا يتحول ذكر الدعم المغربي للثورة الجزائرية إلى موضوع يثير كل هذا الحرج؟
03/11/2026