وضع فوزي لقجع، وزير الاقتصاد والمالية، ملف المستشفيات والمرافق الاجتماعية في صلب النقاش حول استعدادات المغرب لاحتضان كأس العالم 2030، كاشفاً عن مفارقة صارخة في تدبير المشاريع العمومية، حين يستغرق تشييد ملعب رياضي سنتين فقط، بينما يمتد إنجاز مستشفى إلى 12 سنة، معتبراً أن هذا التفاوت في سرعة الإنجاز “أمر غير مقبول”.
ولم يكتف لقجع بالحديث عن الملاعب والمنشآت الرياضية التي يستعد المغرب لتشييدها أو تطويرها، بل وجّه الأنظار إلى ضرورة أن تنعكس الدينامية المرتبطة بالمونديال على القطاعات الاجتماعية، وفي مقدمتها الصحة، حتى لا يتحول النجاح في بناء الملاعب إلى واجهة تخفي بطء إنجاز المرافق التي يحتاجها المواطن يومياً.
وخلال مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2027 أمام لجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، شدد الوزير على أن كأس العالم 2030 ليس مجرد تظاهرة كروية عابرة، وإنما ورش وطني ينبغي أن يعيد تشكيل البنيات التحتية والقدرات الاقتصادية، ويترك إرثاً ملموساً يستفيد منه المغاربة في مختلف جهات المملكة.
واعتبر لقجع أن «المونديال بوصلة لما سنكون عليه في 2030»، مؤكداً أن الرهان الحقيقي لا ينحصر في تنظيم المباريات واستقبال الجماهير، بل في تحويل الاستثمارات المرتبطة بالحدث إلى مشاريع تنموية مستدامة، قادرة على تحسين ظروف عيش المواطنين.
وفي هذا السياق، كشف الوزير عن المكانة المحورية التي ستحتلها الدار البيضاء في التنظيم، باعتبارها القلب النابض للمونديال، بالنظر إلى المشاريع الكبرى المرتقبة، وعلى رأسها تطوير البنية التحتية للمطار، وإنجاز شبكة قطارات جهوية سريعة تربط مختلف الاتجاهات، فضلاً عن تشييد ملعب الحسن الثاني الكبير.
وأكد لقجع أن هذا الملعب لن يكون مجرد منشأة موسمية مرتبطة بكأس العالم، بل سيشكل بنية رياضية دائمة ستستفيد منها جماهير الرجاء والوداد والمنتخب الوطني حتى قبل انطلاق البطولة، مشيراً إلى أن المغرب لا يبني ملاعب لتفكيكها بعد نهاية المنافسات، كما حصل في تجارب أخرى.
لكن الرسالة الأبرز في مداخلة الوزير ظلت مرتبطة بالفارق بين سرعة إنجاز الملاعب وبطء إخراج المستشفيات إلى حيز الوجود، وهو ما يطرح تساؤلات حول نجاعة تدبير المشاريع العمومية وترتيب الأولويات، خصوصاً أن المواطن لا ينتظر فقط ملاعب عالمية، بل يحتاج أيضاً إلى مستشفى قريب وتجهيزات صحية وخدمات تستجيب لانتظاراته.
وعلى المستوى التنظيمي، تحدث لقجع عن التحديات المرتبطة باستقبال نحو خمسة آلاف شخص من الاتحاد الدولي لكرة القدم، فضلاً عن تحديد موقع مركز البث الدولي، معتبراً أن معرض الدار البيضاء ينبغي أن يحتضن هذه المنشأة التي ستتولى مواكبة النقل التلفزي العالمي للمباريات.
كما أثار الوزير مسألة العائد الاقتصادي من حقوق البث التلفزيوني، موضحاً أن هذه الحقوق تسوقها شركات دولية تعمل في أسواق متعددة، وأن عدداً من هذه الشركات يتوفر على مقرات خارج المغرب، الأمر الذي يستدعي التفكير في كيفية ضمان استفادة المملكة من العائدات والضرائب المرتبطة بهذا النشاط.
وكشف في هذا الإطار عن طموح المغرب إلى امتلاك قدرات وطنية متقدمة في الإنتاج التلفزيوني، بما يسمح بتولي عمليات الإخراج والنقل التلفزيوني لمباريات كأس العالم بكفاءات مغربية، دون الاضطرار إلى تحمل تكاليف إضافية مقابل هذه الخدمات.
واستحضر لقجع تجربة كأس أمم أفريقيا، مشيداً بالمستوى الذي بلغته الشركة المكلفة بالإنتاج والإخراج التلفزيوني، ومشدداً على ضرورة تطوير إمكانياتها التقنية والبشرية حتى تصبح قادرة على مواكبة أكبر تظاهرة كروية في العالم.
كما دعا إلى تمكين المقاولات المغربية من الاستفادة من الفرص الاقتصادية التي سيخلقها المونديال، في ظل العقود والخدمات التي يطلبها الاتحاد الدولي لكرة القدم وشركاؤه التجاريون، مشيراً إلى أهمية «صندوق الإرث» الذي يخصص جزءاً من القيمة المضافة للبطولة لفائدة البلد المنظم، إلى جانب دعم التنمية الاجتماعية لكرة القدم.
وفي رده على النقاش المرتبط بكلفة التنظيم والمديونية، رفض لقجع الخلط بين الاستثمارات الكبرى الموجهة لتطوير البنيات التحتية والنفقات المرتبطة مباشرة بتنظيم كأس العالم، معتبراً أن إدراج جميع المشاريع ضمن فاتورة المونديال لا يعكس حقيقة طبيعة هذه الاستثمارات.
وضرب مثالاً باستثمارات المكتب الوطني للسكك الحديدية التي تبلغ 104 مليارات درهم، متسائلاً عن مبررات احتساب هذا المبلغ ضمن مديونية كأس العالم، وداعياً إلى الرجوع إلى المعطيات المالية والصفقات لتحديد الالتزامات الحقيقية للمشاريع.
وختم الوزير بالتأكيد على أن نجاح المغرب في تنظيم كأس العالم لن يقاس فقط بعدد الملاعب أو ضخامة المنشآت، بل بمدى انعكاس هذه الأوراش على حياة المواطنين، مشدداً على أن المواطن يجب أن يكون المستفيد الأول من هذه الدينامية، وأن الثقة لا تُبنى بالوعود، وإنما بالاستجابة الفعلية للانتظارات.
وأكد لقجع إيمانه بالنجاح الجماعي، قائلاً: “أؤمن بالنجاح الجماعي، والخسارة أنا المسؤول عنها” .
03/11/2026