kawalisrif@hotmail.com

مدريد تستنفر استخباراتها … المغرب يدخل جزر الكناري من بوابة الموانئ، وإسبانيا تكتشف أن “الجارة الجنوبية” أصبحت منافسا كبيرا في إدارة نفوذها الأطلسي !

مدريد تستنفر استخباراتها … المغرب يدخل جزر الكناري من بوابة الموانئ، وإسبانيا تكتشف أن “الجارة الجنوبية” أصبحت منافسا كبيرا في إدارة نفوذها الأطلسي !

في تطور يعكس حجم التحول الذي بات يفرضه المغرب على الخريطة البحرية والاقتصادية للمنطقة، وجدت إسبانيا نفسها أمام معادلة استراتيجية جديدة، بعدما تقدمت شركة “مَرْسى ماروك”، التي تمتلك الدولة المغربية 60 في المائة من رأسمالها، نحو الاستحواذ على 45 في المائة من محطات شركة “بولودا ماريتايم تيرمينالز” في خمسة موانئ رئيسية بجزر الكناري، مقابل 80 مليون يورو.

وهي صفقة لم تعد مجرد عملية استثمارية عادية في قطاع النقل البحري، بل تحولت إلى مصدر قلق داخل دوائر الاستخبارات والدفاع الإسبانية، التي يبدو أنها بدأت تستشعر أن المغرب لم يعد مجرد منافس إقليمي على حركة التجارة، بل قوة اقتصادية ومينائية صاعدة تفرض حضورها تدريجيا في فضاءات كانت مدريد تعتبرها امتدادا طبيعيا لنفوذها التقليدي.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن الصفقة، التي أُعلن عنها في ديسمبر 2025، لا تزال معلقة لدى هيئة الاستثمارات الخارجية الإسبانية، وسط تدخل وزارة الاقتصاد والدفاع والمركز الوطني للاستخبارات وإدارة الأمن الوطني، في مشهد يكشف أن الاستثمارات المغربية باتت تُقرأ في مدريد من زاوية تتجاوز الحسابات التجارية، لتلامس هواجس النفوذ الجيوسياسي والتوازنات البحرية.

وتتعلق العملية بخمس محطات مينائية في لاس بالماس، وسانتا كروث دي تينيريفي، ولا بالما، ولانزاروتي، وفويرتيفنتورا، حيث ستحتفظ شركة “بولودا” الإسبانية بنسبة 55 في المائة من رأسمال الشركة، مقابل 45 في المائة لصالح “مَرْسى ماروك”، وهو ما يعني أن المغرب لا يسعى إلى انتزاع السيطرة المباشرة على هذه المنشآت، بل إلى ترسيخ موقعه كشريك استراتيجي داخل منظومة الموانئ الإسبانية، مستندا إلى خبرة متنامية ورؤية استثمارية تتجاوز الحدود الجغرافية التقليدية.

والمثير في هذه القضية أن مدريد، التي لم تجد حرجا في فتح أبواب موانئها أمام العملاق الصيني “كوسكو” في فالنسيا وبيلباو، باتت تتعامل مع دخول المغرب إلى محطات الكناري بمنطق أمني متشدد، وكأن الاستثمار المغربي يحمل تهديدا استثنائيا لا يمكن التعامل معه بالمعايير التجارية نفسها. فالشركة الصينية تدير محطات مينائية إسبانية منذ سنة 2017، بينما لا تزال الصفقة المغربية تخضع لفحص مطول، رغم أن المغرب وإسبانيا يرتبطان بشراكات اقتصادية وأمنية وتجارية متشعبة.

وهنا تبرز المفارقة التي تضع الخطاب الإسباني أمام اختبار حقيقي: هل يتعلق الأمر بحماية الأمن القومي، أم أن صعود المغرب في المجال البحري واللوجستيكي أصبح يثير حساسية متزايدة لدى بعض الدوائر الإسبانية التي لم تستوعب بعد أن قواعد المنافسة في غرب المتوسط والمحيط الأطلسي تتغير بوتيرة متسارعة؟

وتستحضر هذه القضية تجربة شركة “تالغو”، التي رفضت الحكومة الإسبانية عرض الاستحواذ المجري عليها في غشت 2024 لأسباب مرتبطة بالأمن القومي، كما تبرز النموذج الألماني في ميناء هامبورغ، حيث تم تقليص حصة الشركة الصينية “كوسكو” إلى 24.9 في المائة، في محاولة للحد من نفوذها داخل إدارة المحطة.

غير أن إسقاط هذه النماذج على الحالة المغربية يكشف، في المقابل، أن مدريد تتعامل مع المغرب باعتباره منافسا استراتيجيا متناميا، لا مجرد شريك تجاري. فالمغرب، الذي عزز موقعه عبر ميناء طنجة المتوسط، ويواصل تطوير ميناء الناظور غرب المتوسط، ويعمل على مشروع ميناء الداخلة الأطلسي، أصبح يمتلك مقومات متزايدة لإعادة رسم مسارات التجارة البحرية بين أوروبا وإفريقيا، وهو تحول لا يمكن تجاهله مهما حاولت بعض الأوساط الإسبانية تغليفه بخطاب المخاوف الأمنية.

ولعل أكثر ما يثير القلق الإسباني هو الموقع الجغرافي لمحطات الكناري، التي تقع على الواجهة الجنوبية لإسبانيا، في منطقة تتداخل فيها المصالح التجارية والعسكرية والبحرية. كما أن ميناء لاس بالماس يضم، إلى جانب حركة التجارة، قاعدة بحرية إسبانية، وهو ما يدفع بعض الجهات إلى إثارة تساؤلات بشأن طبيعة المعلومات التي يمكن أن يتيحها الاستثمار المغربي حول حركة السفن والبضائع.

لكن هذه المخاوف، التي تظل في إطار التقديرات والتحليلات، لا تستند إلى دليل معلن يثبت أن شركة “مَرْسى ماروك” ستستخدم موقعها الاستثماري ضد المصالح الإسبانية. بل إن الشركتين تجمعهما بالفعل شراكات في مجال القطر البحري بميناء طنجة المتوسط وميناء الناظور غرب المتوسط، وهو ما يعكس وجود مصالح اقتصادية مشتركة تتجاوز منطق الشكوك المتبادلة.

وفي الوقت الذي تتحدث فيه بعض الأوساط الإسبانية عن احتمال فرض شروط على الصفقة أو تقليص الحصة المغربية، فإن المعطيات تكشف أن “مَرْسى ماروك” أصبحت فاعلا مينائيا وازنا، وأن توسعها الخارجي يندرج ضمن مسار طبيعي لشركة تسعى إلى تعزيز حضورها في الأسواق الدولية، والاستفادة من التحولات التي يشهدها قطاع النقل البحري والخدمات اللوجستيكية.

أما الحديث عن احتمال منافسة ميناء الداخلة الأطلسي لميناء لاس بالماس، فيكشف بدوره عن جوهر القلق الإسباني: فالمغرب لم يعد يكتفي بتطوير بنياته التحتية لخدمة اقتصاده الوطني، بل بات يطمح إلى تحويل موقعه الجغرافي إلى رافعة استراتيجية للتجارة العابرة للقارات، مستثمرا موقعه بين أوروبا وإفريقيا والمحيط الأطلسي.

وبينما تواصل مدريد دراسة الملف، فإن الرباط تمتلك مهلة إلى غاية 9 أبريل 2027 لاستكمال الصفقة، في وقت قد تجعل فيه الانتخابات العامة الإسبانية المرتقبة في 29 نوفمبر الملف رهينة الحسابات السياسية الداخلية.

وفي نهاية المطاف، فإن ما يجري ليس مجرد صفقة بين شركتين، بل اختبار لقدرة إسبانيا على التعامل مع مغرب يتغير بسرعة، ويعزز حضوره الاقتصادي والبحري بثقة متزايدة. فالمملكة لم تعد تقف عند حدود تطوير موانئها الوطنية، بل أصبحت تتحرك ضمن منطق الاستثمار والشراكة والتوسع الدولي، مستفيدة من التحولات التي تعيد تشكيل خريطة التجارة البحرية.

وإذا كانت بعض الدوائر الإسبانية ترى في الحضور المغربي داخل موانئ الكناري مصدر قلق، فإن الرسالة الأوضح التي يبعث بها هذا التطور هي أن المغرب بات رقما صعبا في معادلة الموانئ الأطلسية، وأن زمن التعامل معه باعتباره مجرد جار على الضفة الجنوبية قد انتهى، لتبدأ مرحلة جديدة عنوانها المنافسة الاقتصادية، وتوازن المصالح، وإعادة رسم النفوذ البحري في المنطقة.

وما يزيد المشهد إثارة للسخرية أن المغرب لم يحتج إلى أساطيل حربية أو بيانات سياسية صاخبة ليدق أبواب جزر الكناري، بل دخل إليها من بوابة الاستثمار، حاملا خبرته المينائية ورأسماله وطموحه الاقتصادي. وبينما تنشغل مدريد باستنفار أجهزتها الأمنية لمراقبة صفقة تجارية، يبدو أن الرباط ماضية في توسيع نفوذها بهدوء، رصيفا بعد رصيف، وميناء بعد آخر.

وهكذا تجد إسبانيا نفسها أمام مفارقة يصعب تجاهلها: بلدٌ كانت تنظر إليه باعتباره مجرد جار جنوبي، أصبح يطرق أبواب موانئها بصفقات استثمارية، ويزاحمها في فضاء اعتادت طويلا أن تعتبره مجالا لنفوذها الحصري.

ويبدو أن أكثر ما يقلق بعض دوائر مدريد ليس وصول “مَرْسى ماروك” إلى جزر الكناري، بل احتمال أن تستيقظ يوما لتكتشف أن المغرب لم يعد يكتفي بمراقبة حركة السفن في الأطلسي… بل أصبح شريكا في إدارتها أيضا!

03/11/2026

مقالات خاصة

Related Posts