في قضية تضع تدبير المال العام تحت مجهر المساءلة السياسية والقانونية، تفجرت معطيات مثيرة حول تخصيص مبلغ 25 مليون درهم، أي مليارين و500 مليون سنتيم، لإنشاء أكاديمية رياضية لفائدة نادي اتحاد يعقوب المنصور، الذي يرأسه وزير الشباب والثقافة والتواصل، المهدي بنسعيد، في تطور يفتح الباب أمام تساؤلات ثقيلة بشأن استغلال النفوذ وتضارب المصالح وتكافؤ الفرص في توزيع الاستثمارات العمومية.
المعطيات الواردة في الصفحة 27 من مذكرة توزيع الاستثمار الجهوي المرفقة بمشروع قانون المالية رقم 60.26 لسنة 2027، تكشف عن برمجة هذا المبلغ الضخم لإنجاز أكاديمية النادي بمدينة سلا، وليس بالرباط التي يمثلها الفريق، وهو ما يضع المسؤول الحكومي في قلب جدل سياسي وأخلاقي يتجاوز بكثير مجرد دعم نادٍ رياضي.
فالوزير المهدي بنسعيد لا يوجد في موقع المتفرج على القطاع الرياضي، بل يشرف حكوميا على المجال الذي ينشط فيه النادي الذي يرأسه، الأمر الذي يجعل تخصيص اعتمادات عمومية بهذا الحجم لفائدة فريقه موضوعا يستوجب الكشف عن جميع ملابساته، وتحديد من اقترح المشروع، ومن دافع عنه، ومن صادق على تمويله، وما إذا كانت قواعد تضارب المصالح قد جرى احترامها فعليا.
والأكثر إثارة للاستغراب أن المشروع لا يبدو، وفق المعطيات التي كشفها البرلماني عبد الصمد حيكر، مقتصرا على 25 مليون درهم من ميزانية الدولة، بل يرتبط أيضا بتمويلات ومساهمات إضافية من مجلس جهة الرباط ـ سلا ـ القنيطرة والجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، فضلا عن توفير عقار من طرف الوكالة الوطنية للمياه والغابات بتراب عمالة سلا.
نحن أمام مشروع تتداخل فيه أموال ومؤسسات عمومية متعددة لفائدة نادٍ يرأسه وزير في الحكومة، وهو ما يفرض مساءلة صارمة حول مدى استقلالية القرارات المالية والإدارية المتخذة بشأنه، وحول ما إذا كانت هناك ضمانات حقيقية تمنع استغلال المواقع الحكومية والحزبية لتحقيق امتيازات لفائدة مصالح رياضية خاصة.
ولم يقف الجدل عند حدود هوية رئيس النادي، إذ إن اختيار سلا لإقامة الأكاديمية يثير بدوره أسئلة مشروعة، بالنظر إلى توفر المدينة على منشآت ومركبات رياضية، فضلا عن احتضانها أكاديمية محمد السادس لكرة القدم. كما أن استفادة فريق ينشط في القسم الثاني من هذا الغلاف المالي الضخم تطرح سؤالا مباشرا: لماذا يحظى هذا النادي بهذا الحجم من الاستثمار العمومي، بينما توجد أندية عريقة بتاريخها وألقابها ومشاركاتها القارية والدولية لم تستفد من امتيازات مماثلة؟
البرلماني عبد الصمد حيكر، عن دائرة أنفا بالدار البيضاء، كسر الصمت ووجه سؤالا كتابيا إلى وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، مطالبا بتوضيحات حول المعايير التي حكمت برمجة هذا التمويل، ومدى انسجامه مع مبدأ تكافؤ الفرص وقواعد منع تنازع المصالح.
كما أثار حيكر مسألة تداخل الانتماءات الحزبية للمسؤولين المعنيين بالمشروع، معتبرا أن اجتماع هذه المعطيات يثير شبهة تضارب المصالح واستغلال النفوذ، خصوصا في ظل تعدد مصادر التمويل العمومي وتوفير العقار اللازم لإنجاز الأكاديمية.
إن أخطر ما في هذه القضية ليس فقط حجم المبلغ المرصود، بل طبيعة العلاقة بين المسؤول الحكومي والنادي المستفيد، ومدى وجود ضمانات تمنع توظيف النفوذ السياسي والإداري في توجيه الاستثمارات العمومية. فالمال العام ليس ملكا للأحزاب، ولا امتيازا للمسؤولين، ولا يجوز أن يتحول إلى وسيلة لتقوية أندية يرتبط بها أصحاب القرار.
وأمام هذه المعطيات، يطالب مهتمون بالشأن الرياضي والسياسي بفتح تحقيق عاجل ومستقل في جميع مراحل إعداد المشروع وبرمجته وتمويله، والكشف عن دور كل مؤسسة ومسؤول في تمرير هذه الاعتمادات، مع المطالبة بإقالة المهدي بنسعيد من المسؤولية الحكومية المرتبطة بالقطاع الرياضي، ومحاسبته سياسيا وإداريا، وإحالة الملف على القضاء إذا أثبتت التحقيقات وجود أفعال يعاقب عليها القانون.
كما يطالب هؤلاء بتجميد أي تحويلات مالية مرتبطة بالمشروع إلى حين إخضاعه للتدقيق، ضمانا لعدم ترتيب آثار مالية يصعب تداركها قبل حسم مشروعية القرارات المتخذة بشأنه.
من منح الضوء الأخضر لهذا الامتياز المالي؟ وهل كانت معايير الاستحقاق الرياضي هي المحدد، أم أن موقع رئيس النادي داخل الحكومة والحزب فتح أمامه أبواب التمويل العمومي؟ ومن يتحمل المسؤولية إذا ثبت أن المال العام وُجّه خارج قواعد الشفافية وتكافؤ الفرص؟
أسئلة لا يمكن إسكاتها بالتبريرات العامة، لأن القضية تتعلق بمليارات السنتيمات من أموال المغاربة، وبمسؤولية وزير يفترض فيه أن يكون أول من يحترم قواعد النزاهة وتضارب المصالح، لا أن يجد نفسه في قلب شبهة تستوجب التحقيق والمساءلة.
05/11/2026