تتوالى المعطيات الحقوقية التي تثير تساؤلات جدية بشأن ما يجري داخل مدينة سبتة المحتلة، بعدما كشفت منظمة العفو الدولية عن توثيق 50 حالة من الاعتداءات وسوء المعاملة والإذلال، المنسوبة إلى أفراد من القوات المسلحة الإسبانية في حق مهاجرين عالقين بالمدينة، والإغتصاب كذلك ، في تطورات تضع الرواية الرسمية الإسبانية بشأن تدبير ملف الهجرة تحت مجهر المساءلة الحقوقية والقضائية.
ووفق تقرير جديد نشرته المنظمة، الخميس 5 نونبر 2026، فقد جرى توثيق 28 حالة إضافية من الضرب والإهانة والتجاوزات، ليرتفع العدد الإجمالي إلى 50 حالة، بينها وقائع خطيرة قد ترقى، بحسب المنظمة، إلى مستوى التعذيب. والأكثر إثارة للقلق أن 18 حالة من الحالات الجديدة وقعت بعد إعلان وزارة الدفاع الإسبانية فتح تحقيق داخلي، عقب صدور التقرير الأول الذي كشف عن انتهاكات مماثلة، دون أن تحصل المنظمة، إلى حدود الآن، على معلومات واضحة بشأن نتائج ذلك التحقيق أو الإجراءات التي اتخذتها السلطات.
ولا تقف خطورة المعطيات عند هذا الحد، إذ أشار التقرير إلى تسجيل سبع حالات أخرى من سوء المعاملة المنسوبة إلى عناصر من الشرطة الوطنية والحرس المدني، وذلك عقب زيارة ميدانية جديدة أجرتها المنظمة إلى مدينة سبتة بين 23 و26 أكتوبر الماضي. كما وثقت عشر حالات إضافية من التعذيب والمعاملة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، أربع منها تتعلق بقاصرين، من بينها أربع وقائع وصفتها المنظمة بالخطيرة، وقد ترقى إلى أفعال تعذيب.
وتكشف الشهادات الواردة في التقرير عن نمط متكرر من الانتهاكات، يبدأ، بحسب روايات الضحايا، باقتياد أشخاص داخل مركبات عسكرية إلى مناطق معزولة، وتقييد أيديهم بأربطة بلاستيكية، قبل تعريضهم للضرب والإهانة والتهديد. ومن بين الحالات التي أثارت صدمة حقوقية، شهادة شاب يبلغ من العمر 20 سنة، كان يشتغل في الشوارع بصفته مؤديا حركيا، قبل أن يتم نقله إلى مكان بعيد، حيث أحاط به ما بين 16 و17 جنديا، وأجبروه على نزع ملابسه، بينما عمد أحدهم إلى تصويره بهاتفه المحمول وأمره بالرقص، قبل أن يتعرض للضرب والتهديد بالسلاح، وفق روايته التي نقلها التقرير.
كما وثقت المنظمة اعتداءات باستعمال الهراوات واللكمات والركل وأجهزة الصعق الكهربائي، استهدفت، بحسب الشهادات، أشخاصا كانوا نائمين في الشوارع أو في أماكن مفتوحة، وأسفرت عن إصابات متفاوتة الخطورة، شملت كسورا وجروحا وكدمات وإصابات على مستوى الرأس والعينين. ومن بين الحالات المذكورة مهاجر استيقظ يوم 24 أكتوبر على صدمات كهربائية متكررة في صدره أثناء نومه قرب طريق سيدي امبارك، ما تسبب له في دوار وقيء وفقدان الوعي.
وفي واقعة أخرى، تحدث التقرير عن مواطن تونسي يبلغ من العمر 40 سنة، كان نائما في السابعة صباحا بشاطئ بنitez إلى جانب ثلاثة شبان مغاربة، قبل أن يصل أربعة جنود ويوجهوا إليه لكمات على مستوى الوجه، تسببت في كدمة حرمته من الرؤية بإحدى عينيه لمدة أسبوعين، وفق إفادته.
ولم تستثن هذه الممارسات، بحسب التقرير، القاصرين الذين يعيشون أوضاعا هشة في شوارع المدينة، إذ تحدثت المنظمة عن تعرض فتيان للضرب بالهراوات والتهديد وتكسير الهواتف والاستيلاء على ممتلكات ووثائق شخصية. كما أوردت حالة قاصر يبلغ 17 سنة تلقى ضربة على رأسه استدعت عشر غرز طبية، وأخرى تتعلق بفتى في الخامسة عشرة قيل إن أحد المعتدين حاول كسر ساقه عبر ضربها في الاتجاه المعاكس للمفصل، بعدما اعترض على تكسير هاتفه، الذي لم يكن يملك وسيلة أخرى للتواصل عبره مع والدته.
وفي مقابل هذه المعطيات، وجهت منظمة العفو الدولية انتقادات إلى طريقة تعامل السلطات مع الهيئات المدنية العاملة في المجال الإنساني، مستحضرة تدخل الشرطة بمقر منظمة “نو نيم كيتشن” يوم 22 أكتوبر، وما وصفته باتهامات غير صحيحة بشأن تزويد مهاجرين برذاذ الفلفل، في سياق اعتبرته المنظمة محاولة لتضييق الخناق على الجهات التي تقدم المساعدة الإنسانية.
كما أثارت المنظمة علامات استفهام بشأن موقف النيابة العامة في سبتة، بعدما طلبت الحبس الاحتياطي لناشطين اثنين، معتبرة أن هذه الخطوة تتناقض مع ما وصفته بغياب المبادرة الكافية في التعامل مع الشكايات المتعلقة بالاعتداءات المنسوبة إلى عسكريين. وطالبت بفتح تحقيق سريع ومستقل وشامل، مع إبعاد العناصر المشتبه في تورطها مؤقتا عن مهامها، وتحديد المسؤوليات الجنائية والتأديبية عند الاقتضاء.
واللافت في هذه القضية أن المنظمة تقول إنها لم تتوصل، بعد استفسارها لدى النيابة العامة ووزارة الدفاع الإسبانية، بما يثبت فتح تحقيق مع جندي محدد أو إبعاده عن الخدمة، كما لم تتأكد من اتخاذ تدابير لحماية الضحايا والشهود من أي أعمال انتقامية محتملة.
وبذلك، لم يعد الأمر يتعلق بمجرد شكايات معزولة أو روايات متفرقة، بل بملف حقوقي آخذ في الاتساع، يتضمن عشرات الحالات والشهادات والمعطيات الطبية والتوثيقية، ويضع السلطات الإسبانية أمام اختبار حقيقي لمدى التزامها بالقوانين التي تتحدث عن احترام الكرامة الإنسانية وحماية الفئات الهشة. فكيف يمكن لسلطات ترفع شعار حقوق الإنسان أن تكتفي بإعلان تحقيق داخلي، بينما تتحدث منظمة دولية عن استمرار الانتهاكات بعد الإعلان نفسه؟ وأين وصلت المساءلة، إذا كان الضحايا ينتظرون الإنصاف، بينما لا تزال المسؤوليات، وفق ما كشفه التقرير، معلقة دون أجوبة واضحة؟
05/11/2026