يواصل المغرب الدفع بأحد أضخم المشاريع الاستراتيجية العابرة للقارات، بعدما برمجت المملكة تخصيص أكثر من 120 مليون درهم، أي ما يعادل نحو 11 مليون يورو، خلال سنة 2027، لمواصلة الدراسات والأبحاث التقنية المرتبطة بمشروع النفق البحري والسككي الذي يرتقب أن يربط الأراضي المغربية بإسبانيا عبر مضيق جبل طارق، في خطوة جديدة تعكس استمرار الرهان المغربي على مشروع من شأنه إعادة رسم خريطة النقل والتجارة والربط الاستراتيجي بين إفريقيا وأوروبا.
ويأتي هذا الاعتماد المالي في إطار الميزانية الاستثمارية المرتقبة لوزارة التجهيز والماء، لفائدة الشركة الوطنية المغربية المكلفة بدراسات الربط الثابت عبر مضيق جبل طارق “SNED”، ضمن برنامج التعاون المشترك مع نظيرتها الإسبانية “SECEGSA”. ويعكس تخصيص هذه الموارد المالية استمرار انخراط المغرب في ورش استراتيجي يتجاوز أبعاده الهندسية، ليرتبط بمستقبل موقع المملكة في الممرات التجارية الدولية، وتعزيز دورها بوصفها بوابة رئيسية للربط بين القارتين.
ولا يتعلق الأمر، في المرحلة الحالية، بإطلاق أشغال الحفر والبناء، وإنما بالانتقال إلى مرحلة متقدمة من تحيين الدراسات السابقة وتوسيع الأبحاث الهندسية والجيولوجية والبيئية والقانونية والاقتصادية، بما يسمح بتوفير قاعدة علمية وتقنية أكثر دقة لتقييم الجدوى الفعلية لهذا المشروع العملاق.
وتتوزع خطة العمل المغربية على خمسة محاور أساسية، تشمل مراجعة الدراسات الهندسية السابقة وتحيينها، وتطوير منظومة التدبير البيئي، واستكشاف التكوينات الجيولوجية والبنيات الموجودة في باطن الأرض، إلى جانب إعداد دراسات جيوستراتيجية وقانونية واقتصادية جديدة، فضلا عن مواصلة الترويج للمشروع وتعزيز التنسيق المؤسساتي بين البلدين.
وفي الجانب الإسباني، تتواصل عملية تحديث التصور الأولي للمشروع الذي يعود إلى سنة 2007، بمساعدة الشركة العمومية “إينيكو”، بهدف إدماج التطورات العلمية والتكنولوجية التي شهدتها السنوات الأخيرة، ومعالجة النواقص التي كشفت عنها الدراسات السابقة، خصوصا فيما يتعلق بمسار النفق ومحطات الربط وشبكة السكك الحديدية التي ستوصله بالبنيات التحتية الإسبانية والأوروبية.
وتشير التصورات الهندسية إلى إمكانية تمركز المحطة الشمالية بالقرب من منطقة فيخير، فيما يرتقب أن يكون مسار الربط المغربي في اتجاه منطقة رأس مالاباطا بطنجة، بما يجعل المدينة المغربية نقطة استراتيجية في هذا المشروع العابر للقارتين. أما المدخل الإسباني للنفق، فيدرس أن يكون في محيط عتبة كامارينال، بين طريفة وزاهارا دي لوس أتونيس، وهو ما يستدعي إعادة تقييم مسارات الربط السككي مع الشبكة الإسبانية والأوروبية.
ولا تقتصر الأبحاث على الحسابات الهندسية ومسارات السكك الحديدية، بل تمتد إلى أعماق قاع البحر، حيث يشارك المجلس الأعلى للبحث العلمي الإسباني، إلى جانب المعهد الجيولوجي والتعديني والمعهد الإسباني لعلوم المحيطات ومعهد علوم البحار، في حملات علمية متخصصة لدراسة طبيعة التربة البحرية والرواسب والطبقات الجيولوجية في محيط عتبة كامارينال، وإعداد نموذج جيولوجي ثلاثي الأبعاد للمنطقة.
كما تشمل هذه الأبحاث رصد النشاط الزلزالي في محيط المضيق، باستخدام أجهزة متخصصة توضع في قاع المحيط، بهدف تقييم المخاطر التكتونية وتوفير معطيات دقيقة حول طبيعة المنطقة التي يفترض أن تحتضن واحدا من أكثر المشاريع الهندسية تعقيدا على المستوى الدولي.
ويعود التعاون المغربي الإسباني بشأن هذا المشروع إلى سنة 1979، قبل أن يتعزز باتفاقيات ثنائية مهدت لإحداث آليات مؤسساتية مشتركة، من بينها اللجنة المغربية الإسبانية المشتركة والشركتان المكلفتان بالدراسات، اللتان تأسستا سنة 1981. وبعد سنوات من تراجع وتيرة العمل، عاد المشروع إلى واجهة التعاون الثنائي خلال أبريل 2023، عقب انعقاد الاجتماع الثالث والأربعين للجنة المشتركة بالرباط، حيث اتفق الطرفان على إعادة إطلاق الدراسات وإعداد استراتيجية عامة وبرنامج عمل يمتد لثلاث سنوات.
وفي المقابل، خصص الجانب الإسباني 2.3 مليون يورو من التمويلات الأوروبية لتحديث الدراسات المرتبطة بالمشروع، بينما تشكل الميزانية المغربية الجديدة المبرمجة لسنة 2027 دفعة إضافية لهذا الورش المشترك، وتؤكد استمرار مساهمة المملكة في تطوير مختلف مراحله العلمية والتقنية.
وتكمن الأهمية الاستراتيجية لهذا المشروع بالنسبة للمغرب في ما يمكن أن يوفره من تحول نوعي في موقع المملكة داخل منظومة النقل والتجارة الدولية، إذ من شأن الربط السككي المباشر مع أوروبا أن يفتح آفاقا جديدة أمام نقل البضائع والمسافرين، ويعزز جاذبية الموانئ والمناطق الصناعية واللوجستية المغربية، فضلا عن دعم تنافسية الاقتصاد الوطني وتوسيع فرص الاستثمار والتبادل التجاري.
كما يندرج المشروع ضمن رؤية أوسع لتعزيز البنيات التحتية الاستراتيجية للمملكة، في وقت يواصل فيه المغرب تطوير موانئه الكبرى، وفي مقدمتها طنجة المتوسط والناظور غرب المتوسط، وتوسيع شبكات الطرق والسكك الحديدية، بما يعزز قدرته على استقطاب الاستثمارات والاندماج في سلاسل الإمداد العالمية.
وبينما لا يزال النفق في مرحلة الدراسات وتقييم الجدوى، فإن تخصيص المغرب اعتمادات مالية جديدة يبعث بإشارة واضحة حول استمرار الرهان على هذا المشروع، الذي ظل مطروحا منذ عقود، لكنه يستعيد اليوم زخمه في سياق تحولات اقتصادية وجيوسياسية تجعل الربط بين ضفتي المتوسط أكثر أهمية من أي وقت مضى.
إن الرهان المغربي لا يقتصر على حفر نفق تحت مياه مضيق جبل طارق، بل يتجاوز ذلك إلى بناء موقع استراتيجي جديد للمملكة في قلب حركة التجارة والتنقل بين قارتين. وإذا تكللت الدراسات بالنجاح، وتوافرت الشروط التقنية والمالية والسياسية اللازمة، فقد يتحول هذا المشروع إلى أحد أكبر الإنجازات الهندسية في تاريخ المنطقة، ويصبح مضيق جبل طارق، الذي ظل قرونا فاصلا جغرافيا بين إفريقيا وأوروبا، ممرا استراتيجيا يربطهما عبر بوابة مغربية تنفتح على المستقبل.
05/11/2026