kawalisrif@hotmail.com

بوتين يصادر “وينستون” و”كامِل” ويترك اليابان تدخّن غضبها !    أربعة مصانع في قبضة موسكو وسهم ينهار في طوكيو

بوتين يصادر “وينستون” و”كامِل” ويترك اليابان تدخّن غضبها ! أربعة مصانع في قبضة موسكو وسهم ينهار في طوكيو

حتى إمبراطورية التبغ اليابانية لم تسلم من “سيجارة” الكرملين.. بوتين يشعل أزمة اقتصادية مع طوكيو ويضع مصانع “وينستون” و”كامِل” تحت الإدارة الروسية!

في خطوة جديدة تكشف كيف تحوّلت الحرب الروسية الأوكرانية إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الاقتصادية مع الدول الداعمة لكييف، وجّه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ضربة ثقيلة إلى المصالح اليابانية، بعدما وقّع مرسوما يقضي بإخضاع أنشطة شركة “جابان توباكو”، ثالث أكبر شركة تبغ في العالم والمالكة لعلامتي السجائر الشهيرتين “وينستون” و”كامِل”، لإدارة محلية مؤقتة، في إجراء شمل أربعة مصانع تابعة للمجموعة داخل الأراضي الروسية، وأثار احتجاجا رسميا من الحكومة اليابانية.

ولم يكن وقع القرار عاديا على الأسواق المالية، إذ دخل سهم الشركة في دوامة هبوط حادة، مسجلا تراجعا بلغ 19.3 في المائة في بورصة طوكيو، في واحدة من أعنف الخسائر التي شهدها تاريخه، وسط مخاوف المستثمرين من فقدان الشركة السيطرة على واحدة من أهم أسواقها الدولية، وتحول استثماراتها الروسية إلى أصول يصعب استرجاعها في ظل التصعيد السياسي المتواصل بين موسكو وطوكيو.

وسارعت الحكومة اليابانية إلى إعلان اعتراضها الرسمي على الخطوة الروسية، حيث أكد وزير التجارة ريوسي أكازاوا أن طوكيو تقدمت باحتجاج إلى موسكو وطالبتها باتخاذ إجراءات فورية للتراجع عن التدابير المتخذة. وتكتسي القضية حساسية إضافية بالنسبة لليابان، بالنظر إلى أن حكومتها تمتلك نحو ثلث أسهم شركة “جابان توباكو”، ما يجعل القرار الروسي ضربة تطال مصالح استثمارية يابانية مباشرة.

وبموجب المرسوم الذي وقّعه بوتين ونُشر الخميس، نُقلت أنشطة “جابان توباكو إنترناشونال” في روسيا إلى إدارة شركة محلية تحمل اسم “جيه إس سي إندستريال أستس”، فيما أعلنت المجموعة أن أربعة من منشآتها الإنتاجية أصبحت خاضعة للإجراءات الروسية، مؤكدة أنها تعمل على جمع المعلومات وتقييم التطورات، في انتظار اتضاح مصير استثماراتها وعملياتها داخل السوق الروسية.

وتكمن خطورة هذه الخطوة في أن موسكو لا تستهدف استثمارات هامشية أو مشروعات ثانوية، بل تضرب واحدة من أكثر الأسواق ربحية بالنسبة للعملاق الياباني. فمنذ دخولها روسيا سنة 1999، نجحت الشركة في بناء حضور اقتصادي واسع، وتشغّل نحو أربعة آلاف شخص، كما تستحوذ على حصة تصل إلى 41 في المائة من سوق التبغ المخصص للتدخين في البلاد، رغم تعليقها الاستثمارات الجديدة والأنشطة التسويقية منذ عام 2022.

والأخطر من ذلك أن السوق الروسية تمثل، وفق تقديرات المحلل تسوكاسا فوروتا من مؤسسة “إس إم بي سي نيكو سيكيوريتيز”، نحو ربع الأرباح التشغيلية للشركة، وهو ما يجعل فقدان السيطرة على عملياتها هناك تهديدا مباشرا لنتائجها المالية وقدرتها على الحفاظ على مستويات أرباحها، ويضع المجموعة أمام خسائر محتملة تتجاوز بكثير قيمة المصانع التي شملها القرار الروسي.

ولم تتوقف المخاوف عند المصانع وخطوط الإنتاج، إذ تواجه المجموعة احتمال تعذر تحويل أرصدة نقدية وودائع مصرفية مودعة داخل روسيا، تتراوح قيمتها التقديرية بين 100 و200 مليار ين ياباني، أي ما يعادل نحو 634 مليون دولار إلى 1.27 مليار دولار، إلى خارج البلاد. وبذلك تجد الشركة نفسها أمام معضلة مزدوجة: أصول إنتاجية باتت تحت إدارة محلية مؤقتة، وسيولة مالية ضخمة قد تتحول إلى أموال عالقة داخل الحدود الروسية.

وتأتي هذه التطورات في سياق تدهور متسارع للعلاقات بين موسكو وطوكيو، على خلفية دعم اليابان المالي والعسكري غير الفتاك لأوكرانيا، وانخراطها المتزايد في المبادرات المرتبطة بحلف شمال الأطلسي. وكانت طوكيو قد أعلنت خلال العام الجاري تقديم نحو 14.7 مليون دولار إلى مبادرة “قائمة المتطلبات ذات الأولوية لأوكرانيا”، التي يشرف عليها الحلف لتمويل تزويد كييف بمعدات عسكرية أميركية الصنع.

كما زادت العقوبات اليابانية الجديدة المفروضة على روسيا خلال أكتوبر الماضي من حدة التوتر، في وقت شهدت فيه العلاقات بين البلدين تطورات دبلوماسية وأمنية متلاحقة، من بينها الخلاف بشأن الجزر الواقعة قرب شمال اليابان، والتي تخضع للسيطرة الروسية وتطالب طوكيو بالسيادة عليها. ويرى مراقبون أن تنامي التعاون الياباني مع حلف الناتو بات أحد العوامل التي تزيد حساسية موسكو تجاه التحركات اليابانية.

واللافت أن ما تتعرض له “جابان توباكو” لا يبدو حالة معزولة عن توجه روسي أوسع نحو إخضاع أصول شركات أجنبية لإدارة مؤقتة. فمنذ سبتمبر الماضي، وسّعت موسكو هذه الإجراءات لتشمل مصالح شركات دولية، من بينها أصول تابعة لعملاق الصناعات الغذائية السويسري “نستله”، وسلسلة متاجر التجزئة الفرنسية “أوشان”، في إطار سياسة تستهدف شركات من دول تصنفها روسيا ضمن الدول غير الصديقة.

وتشير هذه التطورات إلى أن استمرار الحرب لم يعد يقتصر على العقوبات المتبادلة والقيود التجارية وتجميد الأرصدة، بل بات يفتح جبهة اقتصادية أكثر تعقيدا، عنوانها السيطرة على المصانع والاستثمارات والأنشطة الإنتاجية للشركات الأجنبية الموجودة داخل روسيا. وهو تحول يضع الشركات متعددة الجنسيات أمام مخاطر غير مسبوقة، خصوصا عندما تتداخل مصالحها التجارية مع حسابات الصراع السياسي والعسكري.

تجد طوكيو نفسها أمام اختبار اقتصادي قاسٍ: كيف تحمي استثماراتها في بلد تتصاعد خلافاتها السياسية معه، بينما تتحول مصانع شركة تملك حكومتها نحو ثلث أسهمها إلى ورقة في صراع دولي أكبر؟ وبين أربعة مصانع خرجت من السيطرة المباشرة للشركة، ومليارات ين مهددة بالبقاء خلف الحدود الروسية، وسهم يتهاوى في بورصة طوكيو، تتكشف حقيقة قاسية لعالم الأعمال: في زمن المواجهات الجيوسياسية، قد تتحول إمبراطوريات بمليارات الدولارات إلى رهائن لقرار سياسي واحد، وقد يصبح الخروج من سوق عالمية أصعب بكثير من دخولها !

06/11/2026

مقالات خاصة

Related Posts