kawalisrif@hotmail.com

الناظور :    وادي رمضوار بجماعة بني شيكر ثروة فلاحية وبيئية مهددة .. ومطالب بمشروع تنموي كبير لإنقاذ الأراضي من الفيضانات والعطش وفك العزلة عن الفلاحين

الناظور : وادي رمضوار بجماعة بني شيكر ثروة فلاحية وبيئية مهددة .. ومطالب بمشروع تنموي كبير لإنقاذ الأراضي من الفيضانات والعطش وفك العزلة عن الفلاحين

يشكل وادي رمضوار، الواقع ضمن النفوذ الترابي لجماعة بني شيكر بإقليم الناظور، واحداً من المجالات الطبيعية والفلاحية التي تختزن مؤهلات مهمة، لكنها لا تزال تنتظر التفاتة تنموية حقيقية قادرة على تحويل ثرواتها المائية والزراعية والبيئية إلى فرص اقتصادية واجتماعية ملموسة لفائدة الساكنة المحلية.

فهذا المجال، الذي تتجاور فيه الأراضي الفلاحية والمراعي والمنابع المائية والمجاري الطبيعية، يتوفر على إمكانات واعدة في مجال الإنتاج الزراعي وتربية الماشية، فضلاً عن مؤهلات إيكولوجية وثقافية يمكن أن تفتح الباب أمام أنشطة سياحية مستدامة، غير أن الاستفادة من هذه الإمكانات تظل رهينة بإطلاق مشروع متكامل يعيد الاعتبار للوادي ويضع حداً للصعوبات التي تواجه الفلاحين والساكنة.

وتبرز الحاجة اليوم إلى الانتقال من التعامل مع وادي رمضوار باعتباره مجرد مجرى مائي ومجال فلاحي تقليدي، إلى اعتباره رصيداً استراتيجياً للتنمية المحلية، يستدعي تدخلاً منسقاً يشمل تأهيل البنيات التحتية، وتدبير الموارد المائية، وحماية الأراضي من الانجراف والفيضانات، ودعم الأنشطة المدرة للدخل.

*أراضٍ فلاحية واعدة ومؤهلات إنتاجية تنتظر الاستثمار*

تنتشر بمحاذاة الوادي مساحات زراعية يعتمد عليها عدد من الفلاحين في ممارسة أنشطتهم الفلاحية وتربية الماشية، مستفيدين من الموارد المائية المتاحة وطبيعة المجال الذي يوفر شروطاً ملائمة لمجموعة من الزراعات.

لكن هذه الإمكانات تصطدم بإكراهات متعددة، في مقدمتها ضعف التجهيزات الفلاحية، ومحدودية وسائل الري، وتضرر بعض الأراضي والمسالك خلال فترات التساقطات القوية، فضلاً عن الصعوبات المرتبطة بتدبير المياه والوصول إلى الضيعات.

وهو ما يجعل تأهيل هذا المجال ضرورة تنموية، وليس مجرد عملية إصلاح محدودة، من خلال إعداد برنامج خاص يهدف إلى رفع الإنتاجية، وتحسين ظروف اشتغال الفلاحين، وتثمين الأراضي الزراعية، وتوفير الشروط الضرورية لتطوير النشاط الفلاحي.

*الفيضانات والسيول.. حماية الأراضي والممتلكات أولوية ملحة*

من بين الملفات التي تستدعي معالجة جدية مسألة حماية ضفاف وادي رمضوار والمناطق المجاورة له من مخاطر السيول والفيضانات، التي قد تتسبب في إتلاف المحاصيل، وجرف التربة، وإلحاق أضرار بالمسالك والممتلكات الفلاحية.

وتبرز في هذا السياق أهمية تهيئة وتقوية المقاطع الأكثر عرضة للانجراف، وإنجاز حواجز وقائية ومنشآت مائية ملائمة، وفق دراسات تقنية دقيقة تراعي طبيعة الوادي والتوازن البيئي للمجال.

ولا ينبغي أن يقتصر التدخل على الحد من مخاطر الفيضانات، بل يتعين أن يشمل أيضاً استثمار مياه الأمطار والسيول عبر منشآت صغيرة للتجميع والتخزين، بما يسمح بالاستفادة منها خلال الفترات الجافة، عوض ضياع كميات مهمة من المياه دون استغلالها.

*السقيات التقليدية وشبكة الري .. ضرورة إعادة التأهيل*

يمثل نظام السقي التقليدي جزءاً من الذاكرة الفلاحية للمنطقة، غير أن استمراره وتطويره يتطلبان صيانة السقيات القائمة، وإصلاح القنوات المتضررة، وإعادة تنظيم توزيع المياه بما يضمن استفادة الفلاحين بشكل منصف وفعال.

كما أن تحديث وسائل الري، خصوصاً من خلال تشجيع اعتماد تقنية الري بالتنقيط، يمكن أن يساهم في تقليص ضياع المياه وتحسين مردودية الأراضي، شريطة توفير المواكبة التقنية والدعم اللازم للفلاحين.

*الآبار المائية.. دعم الفلاحة وتوفير الماء للماشية*

ومن المطالب المطروحة كذلك دراسة إمكانية حفر وتجهيز آبار مائية في المواقع المناسبة، بهدف توفير احتياجات الضيعات والماشية، والتخفيف من الصعوبات التي يواجهها الفلاحون خلال فترات الجفاف.

غير أن هذه الخطوة ينبغي أن تستند إلى دراسات هيدروجيولوجية تضمن عدم استنزاف الفرشات المائية، مع اعتماد تصور متكامل يجمع بين استغلال المياه الجوفية وتجميع مياه الأمطار وترشيد الاستهلاك.

*الجسور والقناطر والمسالك.. إنهاء معاناة العزلة الفلاحية*

ولا تقل البنية التحتية أهمية عن باقي مكونات المشروع التنموي، إذ تظل صعوبة التنقل والوصول إلى بعض الأراضي الزراعية من الإكراهات التي تؤثر بشكل مباشر على النشاط الفلاحي.

فارتفاع منسوب مياه الوادي خلال التساقطات قد يجعل الوصول إلى بعض الضيعات أمراً صعباً، ويعرقل تنقل الفلاحين ونقل المعدات والآليات والمحاصيل الزراعية.

ومن هنا تبرز ضرورة برمجة جسور وقناطر ومسالك فلاحية تستجيب لطبيعة المجال، وتضمن الربط بين الأراضي الزراعية والمناطق السكنية والطرق الرئيسية.

ففك العزلة عن الفلاحين لا يرتبط فقط بتسهيل التنقل، بل يشكل مدخلاً أساسياً لتحسين الإنتاج والتسويق وتقليص تكاليف النقل، وبالتالي رفع مداخيل الأسر التي تعتمد على النشاط الفلاحي.

*التشجير ومكافحة انجراف التربة.. حماية للبيئة واستثمار اقتصادي*

ويحتاج وادي رمضوار أيضاً إلى برنامج بيئي واسع من طرف وزارة الفلاحة ووزارة التجهيز ، يستهدف حماية التربة من الانجراف، خصوصاً بالمناطق المنحدرة والمحاذية للمجاري المائية، حيث يمكن أن تتسبب السيول في فقدان مساحات من الأراضي الزراعية وتدهور الغطاء النباتي.

ويشكل التشجير أحد الحلول المهمة لمواجهة هذه المخاطر، من خلال اعتماد أصناف نباتية وأشجار ملائمة للمناخ المحلي وقادرة على مقاومة الجفاف، مع إشراك الفلاحين والساكنة في عمليات الغرس والصيانة.

والأهم أن يتحول هذا البرنامج إلى استثمار اقتصادي موازٍ، عبر تشجيع غرس الأشجار المثمرة والأنواع ذات القيمة التجارية، بما يتيح للفلاحين الاستفادة من منتجاتها مستقبلاً، ويجمع بين حماية البيئة وتحسين الدخل.

*العيون المائية والسدود التلية.. فرصة لتخزين الثروة المائية*

وتتوفر المنطقة على عيون ومنابع مائية يمكن أن تشكل عنصراً مهماً ضمن منظومة محلية لتدبير الموارد المائية، وهو ما يطرح ضرورة حمايتها من التلوث والتدهور، والعمل على تهيئتها واستثمارها بشكل عقلاني.

كما يمكن دراسة إمكانية إنجاز سدود تلية صغيرة وحواجز مائية في المواقع الملائمة، بهدف تجميع مياه التساقطات والحد من ضياعها، وتوفير احتياطات يمكن توجيهها للسقي خلال فترات الجفاف.

ومن شأن هذه المنشآت، إذا تم إنجازها وفق معايير تقنية وبيئية واضحة، أن تعزز قدرة المجال على مواجهة آثار التغيرات المناخية، وتوفر دعامة إضافية لاستقرار النشاط الفلاحي.

*الفلاح في قلب المشروع .. تعاونيات ومشاريع مدرة للدخل*

إن أي مشروع لتأهيل وادي رمضوار لن يحقق أهدافه ما لم يضع الفلاح في صلب أولوياته، من خلال الانتقال من مجرد إصلاح البنيات التحتية إلى خلق فرص اقتصادية حقيقية ومستدامة.

ويقتضي ذلك إطلاق برامج لدعم الفلاحين، وتشجيع تأسيس التعاونيات، وتطوير طرق الإنتاج والتخزين والتلفيف والتسويق، إلى جانب تثمين المنتجات المحلية ورفع قيمتها الاقتصادية.

كما تبرز فرص مهمة لتطوير أنشطة مرتبطة بتربية المواشي، وإنتاج العسل، وتثمين النباتات العطرية والطبية، فضلاً عن تشجيع المبادرات الفلاحية الصغيرة التي يمكن أن توفر مداخيل إضافية للأسر.

والغاية من هذه المقاربة ليست فقط الرفع من حجم الإنتاج، بل تحسين جودته وضمان تسويقه بشروط أفضل، بما يساعد على تحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي للفلاحين والحد من الهشاشة المرتبطة بالنشاط الفلاحي التقليدي.

*مؤهلات إيكولوجية وسياحية تستحق التثمين*

وبعيداً عن الجانب الزراعي، يحمل وادي رمضوار مؤهلات طبيعية وبيئية تستحق الاهتمام، بالنظر إلى تنوع مكوناته الطبيعية وما يتوفر عليه المجال من عناصر يمكن أن تشكل أساساً لتطوير السياحة الإيكولوجية والثقافية.

فالتنوع الطبيعي وما يرتبط به من كائنات حية ومجالات نباتية ومائية يمنح المنطقة قيمة بيئية تستوجب الحماية والتثمين، بدل تركها عرضة للتدهور والاستغلال غير المنظم.

ويمكن، في هذا الإطار، التفكير في إعداد مسارات بيئية، وتهيئة فضاءات للزيارة والاستكشاف، وتشجيع المبادرات المحلية المرتبطة بالسياحة القروية، بما يساهم في خلق أنشطة اقتصادية جديدة لفائدة الساكنة، مع الحفاظ على الخصوصية الطبيعية والثقافية للمنطقة.

*مشروع متكامل بدل تدخلات متفرقة*

إن تعدد الإكراهات التي تواجه وادي رمضوار يفرض اعتماد رؤية شمولية تجمع بين التأهيل الفلاحي، وحماية الموارد المائية، ومكافحة الانجراف والفيضانات، وإنجاز الجسور والمسالك، ودعم الفلاحين، وتثمين المؤهلات البيئية والسياحية.

ويستدعي ذلك تعبئة مختلف المتدخلين، من سلطات إقليمية ومجالس منتخبة ومصالح قطاعية ومؤسسات معنية بالتنمية الفلاحية والمائية والبيئية، من أجل إعداد برنامج واضح المعالم، محدد الأولويات والآجال والتمويلات، يستجيب للحاجيات الفعلية للمنطقة.

فوادي رمضوار ليس مجرد مجال طبيعي عابر، بل ثروة محلية يمكن أن تتحول إلى رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية بجماعة بني شيكر، إذا توفرت الإرادة لتثمين مؤهلاته وتجاوز الإكراهات التي تحد من استغلالها.

ويبقى الرهان اليوم هو الانتقال من تشخيص المؤهلات وتعداد المطالب إلى إطلاق مشروع تنموي ملموس، يعيد الاعتبار لهذا المجال، ويحمي أراضيه ومياهه، ويمنح فلاحيه فرصاً أفضل للإنتاج والاستقرار، ويضمن للأجيال المقبلة الاستفادة من ثروته الطبيعية والبيئية.

07/11/2026

مقالات خاصة

Related Posts