في قراءة تكشف حجم القلق المتنامي داخل بعض الأوساط العسكرية الإسبانية إزاء الصعود الاستراتيجي للمغرب، خرج جنرال إسباني متقاعد بأطروحة مثيرة تدعو إلى إعادة رسم ميزان القوى في مضيق جبل طارق، محذراً مما سماه “مبادرة المغرب الكبير”، ومطالباً مدريد بتغيير سياستها الخارجية وتعزيز انتشارها العسكري، بل والذهاب إلى حد نشر منصات صاروخية متحركة على ضفتي المضيق. إنه خطاب يشي بأن بعض الأصوات الإسبانية لم تعد تكتفي بمراقبة التحولات المتسارعة في المنطقة، بل باتت تطلق صافرات الإنذار كلما خطا المغرب خطوة جديدة نحو تعزيز قدراته ونفوذه.
صاحب هذه الأطروحة هو اللواء المتقاعد خيسوس أرغوموسا بيلا، نائب رئيس الجمعية الإسبانية للضباط العسكريين الكُتّاب، ومدير كرسي الجيوسياسة والدراسات الاستراتيجية بالمعهد الأوروبي للدراسات الدولية، الذي دعا في مقاله إلى تغيير ما يعتبره اختلالاً في التوازن الجيوسياسي بمضيق جبل طارق، واضعاً المغرب في قلب مخاوفه الاستراتيجية، ومقدماً تطور العلاقات المغربية الأمريكية والإسرائيلية باعتباره أحد أبرز مصادر القلق بالنسبة إلى مدريد.
ولعل أكثر ما يثير الانتباه في هذا المقال ليس التحذير من التطور العسكري المغربي، بل الطريقة التي يحاول بها صاحبه تحويل كل خطوة يخطوها المغرب على المستوى الدبلوماسي أو الاقتصادي أو العسكري إلى حلقة في سيناريو افتراضي يستهدف إسبانيا. فالشراكة الاستراتيجية مع واشنطن تتحول في قراءته إلى تهديد، والتعاون الدفاعي مع الولايات المتحدة إلى مصدر للقلق، والتطور الصناعي واللوجستي للمملكة إلى إنذار يستوجب استنفار مدريد، وكأن المغرب مطالب بالحصول على تأشيرة سياسية من بعض الأصوات الإسبانية قبل أن يقرر بناء قوته وتعزيز موقعه الإقليمي!
ويبدو أن ما يزعج الجنرال تحديداً هو أن المغرب لم يعد مجرد بلد مجاور يمكن اختزال علاقته بإسبانيا في ملفات الهجرة والصيد البحري والتجارة، بل أصبح فاعلاً إقليمياً يمتلك شبكة متنامية من الشراكات الدولية، ويعزز حضوره في إفريقيا والساحل والشرق الأوسط، ويطور قدراته الدفاعية واللوجستية، مستفيداً من موقعه الجغرافي الاستراتيجي عند أحد أهم الممرات البحرية في العالم. ويبدو أن هذه المعادلة الجديدة باتت كافية لتحويل كل إنجاز مغربي إلى مادة دسمة لسيناريوهات القلق العسكري في بعض مراكز التفكير الإسبانية.
ويستحضر الجنرال الإسباني اتفاقيات أبراهام، والاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على الصحراء، والتعاون العسكري مع واشنطن، فضلاً عن العلاقات المتنامية مع إسرائيل، باعتبارها عناصر تعزز موقع الرباط في الحسابات الدولية. كما يتوقف عند مشروع مركز التدريب والتجريب الإفريقي متعدد المجالات بطانطان، والتعاون مع القيادة الأمريكية في إفريقيا، والتجهيزات المرتبطة بمكافحة الطائرات المسيّرة، إلى جانب خارطة الطريق للتعاون الدفاعي المغربي الأمريكي للفترة 2026-2036.
لكن المفارقة أن المقال، وهو يحاول تقديم نفسه باعتباره قراءة استراتيجية للتحولات الإقليمية، يكاد يسقط في فخ الخلط بين تنامي النفوذ المغربي وبين وجود مشروع عدائي ضد إسبانيا. فامتلاك المغرب لشراكات دفاعية متقدمة، وتطوير بنياته العسكرية، وتعزيز موقعه في محيطه الإفريقي، لا يشكل في حد ذاته إعلاناً للحرب على الجار الشمالي، ولا يمنح أي مبرر لتحويل التعاون الدولي المشروع إلى مادة لتغذية المخاوف الأمنية. أم أن منطق بعض الأصوات الإسبانية يقتضي أن يظل المغرب محدود الحركة، حتى لا يزعج حسابات مدريد؟
والأكثر إثارة أن الكاتب لا يكتفي بالتحذير من التعاون العسكري المغربي الأمريكي، بل يذهب إلى ربط مناورات “الأسد الإفريقي” بمدينة الداخلة ومناطق جنوب الصحراء المغربية، مقدماً ذلك من خلال مقاربة تتجاهل التحولات الدولية المتراكمة في ملف الصحراء، وفي مقدمتها الاعتراف الأمريكي بمغربية الصحراء، والدعم المتزايد لمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتبارها أساساً واقعياً لتسوية النزاع.
أما حين ينتقل إلى الحديث عن الصواريخ الأمريكية من طراز “HIMARS” وصواريخ “ATACMS”، والمنظومات الإسرائيلية “PULS”، فإن نبرة القلق ترتفع إلى مستويات لافتة، ليصل إلى استنتاج مفاده أن جزءاً من هذه القدرات سيُستخدم لتأمين مضيق جبل طارق والتحكم فيه. وهنا تحديداً تظهر إحدى أكثر نقاط المقال إثارة للجدل، إذ ينتقل صاحبه من عرض صفقات تسليح وتعاون عسكري إلى استنتاجات تتعلق بأهداف انتشار هذه المنظومات، دون تقديم أدلة تثبت أن المغرب يخطط لتوجيهها ضد إسبانيا أو لفرض سيطرته على المضيق. فمجرد اقتناء منظومات دفاعية بات، في هذه القراءة، كافياً لاستحضار شبح الصواريخ فوق مياه المضيق!
بل إن الدعوة إلى نشر صواريخ متحركة على ضفتي المضيق، وتعزيز الانتشار العسكري في سبتة، وتجهيز قوات قادرة على التدخل السريع، تكشف أن صاحب المقال لا يكتفي بوصف التحولات، وإنما يدفع نحو مقاربة عسكرية متشددة قد تؤدي، إذا تحولت إلى سياسة فعلية، إلى رفع منسوب التوتر في منطقة تحتاج إلى التعاون والتنسيق أكثر مما تحتاج إلى سباق التهديدات. والمفارقة أن من يرفع شعار الاستقرار يبدو مستعداً لتحويل المضيق إلى ساحة لاستعراض الصواريخ ومنصات الإطلاق!
وفي الوقت الذي يتحدث فيه الجنرال عن ضرورة استعادة إسبانيا لمكانتها الدولية، يخصص مساحة واسعة لانتقاد سياستها الخارجية وعلاقاتها مع الولايات المتحدة والصين وإسرائيل، معتبراً أن مدريد أصبحت معزولة بسبب مواقفها السياسية. لكنه يغفل أن العلاقات الدولية لا تُدار بمنطق الاصطفاف الأعمى، وأن استقلال القرار السياسي ليس دليلاً على الضعف، كما أن اختلاف مدريد مع واشنطن في بعض الملفات لا يعني تلقائياً فقدانها لمكانتها الدولية. فهل المطلوب من إسبانيا أن تتبنى مواقف الآخرين دون نقاش، حتى لا تجد نفسها خارج دائرة التحالفات التي يرسمها صاحب المقال؟
غير أن أكثر ما يستحق التوقف عنده هو محاولة الكاتب استغلال أزمة سبتة المحتلة لتقديم سردية سياسية وأمنية تتجاوز ملف الهجرة، إذ يصف الأحداث التي شهدتها المدينة بأنها “اجتياح”، ثم يجعل منها مبرراً للدعوة إلى تشريعات استثنائية لإعادة المهاجرين، وتعزيز الحضور العسكري، ونشر قوات احتياطية في شبه الجزيرة الإيبيرية. وهكذا تتحول أزمة الهجرة، بكل تعقيداتها الإنسانية والسياسية، إلى مشهد عسكري مكتمل، لا ينقصه سوى إعلان حالة الاستنفار العام!
واللافت أن المقال يذهب أبعد من ذلك، حين يزعم أن المغرب استغل انشغال إسبانيا بأزماتها الداخلية لطرح مطالب تتعلق بسبتة ومليلية المحتلتين، ويقدم الموقف المغربي من إعادة القاصرين باعتباره جزءاً من حسابات جيوسياسية أوسع. غير أن مثل هذه الاستنتاجات تحتاج إلى أدلة واضحة، لا إلى افتراضات سياسية تُقدَّم في ثوب التحليل العسكري، وكأن كل خلاف أو تعقيد في العلاقات الثنائية لا بد أن يكون جزءاً من خطة مغربية سرية.
أما العبارة الأكثر استفزازاً في المقال فتتمثل في دعوة إسبانيا إلى مواجهة ما يسميه “مبادرة المغرب الكبير”، زاعماً أن المغرب يسعى إلى ضم الصحراء وسبتة ومليلية. وهنا تتكشف بوضوح الخلفية السياسية التي تتحكم في أطروحته، إذ يجمع الكاتب بين قضية الصحراء المغربية والثغرين المحتلين، ويضعهما في سلة واحدة، متجاهلاً الاختلاف الجوهري بين النزاع الإقليمي المفتعل حول الصحراء المغربية وبين استمرار الوجود الاستعماري الإسباني في سبتة ومليلية.
والأغرب أن المقال يتحدث عن ضرورة احترام السيادة الإسبانية باعتبارها مبدأ غير قابل للنقاش، بينما يتعامل مع المطالب المغربية المتعلقة بإنهاء الوضع الاستعماري في الثغرين وكأنها تهديد ينبغي احتواؤه عسكرياً. إنها مقاربة تكشف ازدواجية واضحة في التعامل مع مفهوم السيادة: ما تعتبره مدريد حقاً ثابتاً لنفسها، لا ترغب بعض الأصوات الإسبانية حتى في مناقشة جذوره التاريخية عندما يتعلق الأمر بالمغرب. وكأن السيادة مبدأ مقدس حين يتعلق الأمر بإسبانيا، لكنها تتحول إلى مصدر قلق عندما يطرح المغرب قضاياه الوطنية والتاريخية.
وفي مقابل هذه النبرة التحذيرية، يقدم المقال اعترافاً غير مباشر بحجم التحول الذي أحدثه المغرب في المنطقة، من خلال الإقرار بالأهمية المتزايدة لميناء طنجة المتوسط، الذي بات مركزاً لوجستياً عالمياً، وبالقدرات التي راكمتها المملكة في مجال البنيات التحتية والنقل البحري والتعاون الدفاعي.
فميناء طنجة المتوسط لم يصبح منافساً للموانئ الإسبانية نتيجة خطاب سياسي أو حملة إعلامية، بل بفضل استثمارات ضخمة ورؤية استراتيجية طويلة الأمد، جعلت المغرب رقماً أساسياً في خريطة التجارة البحرية الدولية. وهذه حقيقة اقتصادية يصعب إخفاؤها خلف لغة التخويف العسكري. فبدلاً من قراءة نجاح الميناء باعتباره نموذجاً للاستثمار والتنافس الاقتصادي، يفضل صاحب المقال إدراجه ضمن قائمة مصادر القلق الاستراتيجي، وكأن تطور الموانئ المغربية يستوجب اجتماعاً طارئاً لقيادة الأركان الإسبانية!
كما أن الحديث عن ضرورة إعادة التوازن في مضيق جبل طارق يكشف أن بعض دوائر التفكير الإسبانية بدأت تنظر بقلق إلى التحول الذي عرفه الساحل الجنوبي للمضيق، حيث لم يعد المغرب مجرد ضفة مقابلة، بل قوة اقتصادية ولوجستية وعسكرية صاعدة تمتلك أوراقاً استراتيجية متزايدة.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا: هل أصبح تطور المغرب مصدر تهديد لمجرد أنه لم يعد يقف عند حدود الأدوار التي اعتادت بعض النخب الإسبانية رسمها له؟ وهل ينبغي أن يظل المغرب، في نظر هذه الأصوات، شريكاً مقبولاً فقط عندما يكون تابعاً لحسابات مدريد، ومصدراً للقلق عندما يوسع علاقاته الدولية ويعزز استقلالية قراره الاستراتيجي؟ وهل صار كل نجاح مغربي يحتاج إلى تفسير عسكري، وكل شراكة دولية تستدعي تحذيراً، وكل مشروع اقتصادي يستوجب استنفاراً؟
إن المقال، رغم تقديمه نفسه باعتباره تحليلاً جيوسياسياً وعسكرياً، يكشف في جوهره عن أزمة في استيعاب التحولات التي يشهدها المغرب، وعن صعوبة الانتقال من منطق الوصاية التاريخية إلى منطق الندية والشراكة بين دولتين جارتين. فبدلاً من تقديم قراءة متوازنة لموازين القوى الجديدة، يختار صاحبه تضخيم المخاوف، وتوسيع دائرة التهديدات، واستدعاء سيناريوهات المواجهة، حتى يبدو المغرب وكأنه مشروع أزمة دائمة لا دولة ذات سيادة تطور قدراتها وفق مصالحها الوطنية.
فالمغرب لا يحتاج إلى إثبات حقه في تطوير قدراته الدفاعية أو تنويع شراكاته الدولية، كما أن علاقاته مع الولايات المتحدة وإسرائيل وباقي القوى الدولية ليست مشروعاً موجهاً ضد إسبانيا، ولا ينبغي أن تتحول إلى ذريعة لإحياء خطاب المواجهة.
ويبقى أخطر ما في هذا المقال ليس الحديث عن الصواريخ أو مضيق جبل طارق، بل محاولة تسويق فكرة أن صعود المغرب يجب أن يُواجَه بالتطويق العسكري، وأن معالجة الخلافات التاريخية والسياسية لا يمكن أن تتم إلا من موقع القوة والردع. إنها وصفة لا تنتج الأمن بقدر ما تغذي التوتر، ولا تصنع الشراكة بقدر ما تعيد إحياء أشباح الماضي.
لكن الجغرافيا التي يستحضرها الجنرال الإسباني لا تعمل في اتجاه واحد، ومضيق جبل طارق ليس ملكاً لطرف واحد، كما أن المغرب ليس دولة تنتظر تحديد سقف طموحاتها من وراء الضفة الشمالية. وبينما ينشغل بعض الجنرالات برسم خرائط الصواريخ وإعادة نشر منصات الإطلاق، يواصل المغرب بناء الموانئ وتطوير الاقتصاد وتعزيز شراكاته وترسيخ موقعه في المعادلات الدولية.
والخلاصة أن ما يقلق بعض الأصوات في إسبانيا ليس مجرد الصواريخ المغربية، بل مغرب لم يعد كما كان؛ مغرب يبني ويستثمر ويتحالف ويعزز قدراته، ولا ينتظر إذناً من أحد ليحدد طموحاته. أما تحويل هذا الصعود إلى “رعب استراتيجي” يستدعي الصواريخ والإنذارات العسكرية، فذلك لا يكشف قوة الحجة بقدر ما يكشف عجز أصحابها عن التصالح مع واقع إقليمي جديد لم تعد فيه الضفة الجنوبية مجرد هامش في حسابات الضفة الشمالية.
07/11/2026