تتسع رقعة الاحتقان داخل المنظومة التعليمية بالمغرب، بعدما انتقلت شرارة المطالب الاجتماعية إلى قطاع التعليم العالي، في تطور جديد يأتي بعد التوترات والملفات المطلبية التي عرفها التعليم الأولي والابتدائي والثانوي، ليجد قطاع آخر من قطاعات الوظيفة العمومية نفسه في مواجهة مباشرة مع تعثر الحوار والاستجابة للمطالب المهنية والاجتماعية.
وفي أحدث حلقات هذا التصعيد، لوحت النقابة الوطنية لقطاع التعليم العالي، التابعة للجامعة الوطنية للتعليم والمنضوية تحت لواء الاتحاد المغربي للشغل، بخوض أشكال احتجاجية جديدة، احتجاجاً على ما وصفته باستمرار المماطلة في معالجة الملفات المطلبية لموظفي التعليم العالي والأحياء الجامعية، وسط تزايد الاستياء من تأخر الحسم في قضايا ظلت عالقة لسنوات.
ويأتي هذا الموقف ليضع الحكومة أمام جبهة اجتماعية جديدة داخل قطاع حيوي، بعدما كان النقاش حول الاحتقان التعليمي يتركز أساساً على رجال ونساء التعليم بالتعليم الأولي والابتدائي والثانوي، قبل أن يلتحق موظفو الجامعات والأحياء الجامعية بدائرة المطالب، مطالبين بدورهم بقرارات ملموسة تنهي حالة الانتظار.
وفجر المكتب الوطني للنقابة انتقادات قوية لحصيلة الحوار الاجتماعي القطاعي، معتبراً أن الاجتماعات المتتالية مع الجهات المعنية لم تحقق أي تقدم فعلي يرقى إلى مستوى انتظارات الموظفين، رغم مرور أكثر من ثلاث سنوات على فتح ملف النظام الأساسي الخاص بالأطر الإدارية والتقنية العاملة بقطاع التعليم العالي.
واعتبرت النقابة أن جولة الحوار الأخيرة، التي انعقدت الخميس الماضي، كشفت استمرار التعثر، بعدما عاد النقاش إلى ملفات سبق تداولها ضمن مسودة سابقة قُدمت باعتبارها موضوع توافق بين الأطراف المعنية، وهو ما أثار استياء ممثلي الموظفين الذين كانوا ينتظرون الانتقال إلى مرحلة الحسم النهائي بدل العودة إلى نقطة البداية.
وبحسب المكتب الوطني، فإن إعادة مناقشة القضايا نفسها، دون التوصل إلى صيغة نهائية للنظام الأساسي، لم تعد مجرد تأخر في المفاوضات، بل أصبحت مؤشراً على تعثر مسار الحوار القطاعي، بما يساهم في تعميق الاحتقان وتآكل الثقة في الوعود المقدمة للشغيلة الجامعية.
ووجهت النقابة انتقادات إلى بعض الأطراف المشاركة في الحوار، متهمة إياها بتكرار الوعود بشأن قرب إخراج النظام الأساسي، دون اتخاذ خطوات عملية تضمن تنزيله، معتبرة أن الحديث عن تقدم المفاوضات لا ينسجم مع واقع الملف المطلبي الذي لا يزال ينتظر الحسم.
ويكتسي هذا النظام الأساسي أهمية خاصة بالنسبة إلى الموظفين الإداريين والتقنيين، بالنظر إلى ما ينتظر أن يوفره من معالجة للاختلالات المرتبطة بالمسار المهني، والتعويضات، والترقية، والحقوق الوظيفية، فضلاً عن وضع إطار أكثر إنصافاً يراعي طبيعة المهام والمسؤوليات التي تتحملها هذه الفئات داخل المؤسسات الجامعية والأحياء الجامعية.
ولم يتوقف التصعيد النقابي عند النظام الأساسي، بل امتد إلى الجانب المالي، حيث رفضت النقابة المقترحات التي وصفتها بالمحدودة والمجزأة، معتبرة أنها لا ترقى إلى مستوى مطلب الزيادة العامة في الأجور، ولا تستجيب للانتظارات الحقيقية لمختلف الفئات الإدارية والتقنية.
وسجل المكتب الوطني أن الارتفاع المتواصل في تكاليف المعيشة أدى إلى تراجع القدرة الشرائية للموظفين خلال السنوات الأخيرة، ما يجعل أي زيادات محدودة، بحسب تقديره، غير كافية لمعالجة الاختلالات المالية والاجتماعية التي تواجهها الشغيلة الجامعية.
كما حذرت النقابة من اعتماد صيغ تمويل غير مستدامة للزيادات المقترحة، مشددة على أن تحسين الأوضاع المادية للموظفين ينبغي أن يستند إلى إجراءات واضحة وشاملة، تضمن استفادة مختلف الفئات دون تمييز أو إقصاء.
وفي تصعيد إضافي، ربطت النقابة بين مطلب الزيادة العامة في الأجور وإخراج نظام أساسي منصف، معتبرة أن معالجة أحد الملفين بمعزل عن الآخر لن تكون كافية لاحتواء حالة الاحتقان، وأن أي تسوية جزئية ستبقي أسباب التوتر قائمة داخل القطاع.
كما أثارت مسألة التفاوتات المهنية والمادية بين العاملين بالمؤسسات الجامعية، منتقدة ما اعتبرته تكريساً لامتيازات لفئات معينة على حساب أخرى، ومطالبة بالاعتراف بالأدوار التي تضطلع بها الأطر الإدارية والتقنية في ضمان استمرارية المرافق الجامعية وحسن سير الأحياء الجامعية.
ووسعت النقابة دائرة انتقاداتها لتشمل بعض الأطراف النقابية المشاركة في الحوار، متهمة إياها بتقديم حسابات التمثيلية والمصالح الحزبية على المطالب الفعلية للموظفين، وداعية الشغيلة الجامعية إلى مساءلة ممثليها بشأن حصيلة المفاوضات ومدى الوفاء بالالتزامات والتعهدات السابقة.
وفي رسالة واضحة بشأن المرحلة المقبلة، جدد المكتب الوطني تمسكه بشعار «لا إنصاف دون قرارات ولا حوار دون نتائج»، رافضاً أي مخرجات لا تستجيب للمطالب الأساسية، وداعياً الموظفات والموظفين إلى توحيد صفوفهم والاستعداد لخوض أشكال احتجاجية مشروعة خلال الفترة المقبلة.
وبانضمام التعليم العالي إلى دائرة الاحتجاجات والمطالب القطاعية، تتسع خريطة التوتر داخل المنظومة التعليمية، التي لم تعد تقتصر على التعليم الأولي والابتدائي والثانوي، بل امتدت إلى الجامعات والأحياء الجامعية، في مؤشر على تعدد الملفات العالقة وتنامي المطالب المرتبطة بالأجور والأنظمة الأساسية والإنصاف المهني.
ويبقى السؤال المطروح هو ما إذا كانت الحكومة ستتمكن من احتواء هذه الجبهات الاجتماعية عبر حلول عملية واتفاقات واضحة، أم أن تعثر الحوار سيقود إلى انتقال المطالب من طاولة المفاوضات إلى الشارع، بما قد يضع قطاعات إضافية أمام مرحلة جديدة من الاحتجاجات.
08/11/2026