kawalisrif@hotmail.com

من هو المغربي الذي تم تكليفه بتشكيل الحكومة الإسرائيلية بدلا من نتنياهو ؟

من هو المغربي الذي تم تكليفه بتشكيل الحكومة الإسرائيلية بدلا من نتنياهو ؟

غادي آيزنكوت … جنرال سابق ينحدر من أسرة مغربية، يدخل سباق قيادة إسرائيل من بوابة المعارضة، حاملاً مشروعاً سياسياً يتحدى نتنياهو ويثير اهتماماً واسعاً داخل الأوساط الإسرائيلية.

أعلن الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ، عشية أمس السبت، قراره تكليف غادي آيزنكوت، زعيم حزب «يشار» ورئيس التكتل المعارض الذي حقق أفضل نتيجة في الانتخابات التشريعية الأخيرة، بتشكيل حكومة جديدة، في تطور سياسي يضع هذا العسكري السابق على أبواب قيادة الحكومة الإسرائيلية، ويعيد إلى الواجهة مسألة وصول شخصية ذات جذور مغربية إلى أعلى منصب تنفيذي في إسرائيل.

وحسب بيان صادر عن مكتب الرئيس الإسرائيلي، فقد أبلغ هرتسوغ آيزنكوت بقراره إسناد مهمة تشكيل الحكومة إليه، على أن يحتضن مقر إقامة الرئيس في القدس، بعد ظهر الأحد، مراسم رسمية للإعلان عن هذا التكليف.

ويحمل هذا التطور أهمية خاصة بالنظر إلى المسار الذي قطعه آيزنكوت، البالغ من العمر 66 عاماً، والذي لم يدخل المعترك السياسي بصورة رسمية إلا سنة 2022، عندما التحق بالكنيست عضواً عن حزب الوحدة الوطنية، قبل أن يغادره لاحقاً بسبب خلافات وصفها بالأيديولوجية، ليؤسس في العام الماضي حزبه الوسطي «يشار»، الذي يعني بالعبرية المستقيم أو القويم، ويتحول تدريجياً إلى أحد أبرز المنافسين لبنيامين نتنياهو.

ويستند الحضور السياسي لآيزنكوت إلى مسيرة عسكرية طويلة، إذ سبق له أن تولى رئاسة أركان الجيش الإسرائيلي، قبل أن ينتقل إلى العمل السياسي، مستفيداً من صورته كجنرال سابق ومن تصاعد الانتقادات الموجهة إلى حكومة نتنياهو، خصوصاً على خلفية الإخفاق في منع هجمات 7 أكتوبر 2023، فضلاً عن ملفات الفساد التي تلاحق رئيس الوزراء، والتي ينفي جميع الاتهامات المرتبطة بها، والجدل الذي رافق محاولاته السابقة لإجراء تعديلات على النظام القضائي، وما خلفته من احتجاجات واسعة.

غير أن طموح آيزنكوت السياسي لا يرتبط فقط بحسابات المنافسة الانتخابية، بل تحيط به أيضاً مأساة عائلية تركت أثراً عميقاً في مساره الشخصي ومواقفه السياسية؛ فقد فقد ابنه الأصغر غال، وهو واحد من أبنائه الخمسة، بعدما قُتل في دجنبر 2023 إثر انفجار شمال قطاع غزة، خلال مهمة عسكرية مرتبطة بمحاولة استعادة رفات رهينتين إسرائيليتين احتجزتهما حركة حماس خلال هجمات 7 أكتوبر.

وكشف آيزنكوت، في تصريح سابق للإذاعة العامة الإسرائيلية، أنه لم يتمكن إلى حدود الآن من فتح الصندوقين اللذين تسلم فيهما متعلقات ابنه، واللذين لا يزالان محفوظين داخل منزله بمدينة هرتسليا شمال تل أبيب، قائلاً إنه يواصل تأجيل تلك اللحظة رغم مرور الوقت.

وزادت هذه الخسارة الشخصية، إلى جانب مقتل اثنين من أبناء أشقائه خلال العمليات العسكرية في غزة، من حدة موقفه تجاه القيادة السياسية الإسرائيلية، خصوصاً أنه يعتبر أن حكومة نتنياهو تتحمل مسؤولية سياسية عن الإخفاق في منع الهجوم غير المسبوق الذي شنته حماس.

وفي هذا السياق، سبق لآيزنكوت أن أكد أنه لا يستطيع تغيير ما حدث، لكنه سيبذل كل ما في وسعه ليكون في مستوى الثمن الباهظ الذي دفعه ابنه، في إشارة إلى رغبته في تحويل المأساة العائلية إلى دافع لتحمل المسؤولية السياسية.

وكان الجنرال السابق قد انضم، عقب هجمات 7 أكتوبر، إلى مجلس الحرب الذي شكله نتنياهو بمشاركة شخصيات من المعارضة، في خطوة قُدمت آنذاك باعتبارها تعبيراً عن الوحدة الداخلية في مواجهة الحرب. غير أنه غادر هذا المجلس في يونيو 2024، موجهاً انتقادات حادة لرئيس الوزراء، ومتهماً إياه بعدم اتخاذ القرارات الضرورية بالسرعة المطلوبة من أجل تحرير الرهائن.

وذهب آيزنكوت إلى حد اتهام نتنياهو بالتعمد في عدم القيام بما يلزم لإخراج النساء والأطفال الذين اختطفتهم حماس خلال الهجوم، وهو اتهام رفضه رئيس الوزراء الإسرائيلي بشكل متكرر.

في المقابل، يتهم نتنياهو خصمه السابق داخل مجلس الحرب بأنه عارض خيارات عسكرية كان يعتبرها ضرورية في غزة، معتبراً أن المقترحات التي دافع عنها آيزنكوت كانت ستفضي إلى اتفاق مع حماس وخروج الجيش الإسرائيلي من القطاع، دون تحقيق الأهداف العسكرية التي أعلنتها حكومته.

وتحول هذا الخلاف إلى مواجهة سياسية مفتوحة، بعدما طالب آيزنكوت بنشر محاضر اجتماعات مجلس الحرب والتصويتات التي جرت داخله، حتى يتمكن الرأي العام الإسرائيلي من الاطلاع على حقيقة المواقف التي تبناها كل طرف خلال إدارة الحرب.

كما تعهد، خلال حملته الانتخابية، بإنهاء حكم حماس في قطاع غزة خلال 18 شهراً إذا تولى قيادة الحكومة، في موقف يعكس تمسكه بمقاربة أمنية صارمة، رغم خلافاته مع نتنياهو بشأن طريقة تدبير الحرب والملفات المرتبطة بها.

وعلى مستوى القضية الفلسطينية، يتبنى آيزنكوت مواقف تجمع بين دعم توسيع الكتل الاستيطانية الكبرى، شريطة احترام القانون الإسرائيلي والمصالح الوطنية، والتحفظ على بعض المشاريع الاستيطانية المثيرة للجدل، خصوصاً مخطط توسيع المستوطنات في المنطقة المعروفة باسم «E1» شرق القدس، بسبب تداعياتها المحتملة على صورة إسرائيل وعلاقاتها الدولية.

كما تعهد باتخاذ إجراءات ضد المستوطنين اليهود الذين يصفهم بالإرهابيين في الضفة الغربية المحتلة، مستخدماً التسمية الإسرائيلية «يهودا والسامرة»، في محاولة لتقديم نفسه باعتباره قادراً على الجمع بين التشدد الأمني وفرض القانون على مختلف الأطراف.

ومن أبرز تعهداته السياسية أيضاً فتح تحقيق شامل في الإخفاقات التي سبقت هجمات 7 أكتوبر، وتحديد المسؤوليات داخل المؤسسات الأمنية والحكومية، في وقت تتواصل فيه الاتهامات بشأن احتمال توصل نتنياهو إلى تحذيرات مسبقة من جهات إماراتية ومصرية حول إمكانية وقوع هجوم انطلاقاً من قطاع غزة.

وينفي نتنياهو صحة هذه المزاعم، كما يعارض تشكيل لجنة تحقيق رسمية تقودها المحكمة العليا، معتبراً أن المؤسسة القضائية قد لا تكون محايدة في التعامل مع القضية، وهو ما جعل ملف المحاسبة السياسية أحد أبرز محاور المواجهة بين الرجلين.

ويقدم آيزنكوت هذا الخلاف باعتباره صراعاً بين تحمل المسؤولية ومحاولة التهرب منها، واضعاً التحقيق في أحداث 7 أكتوبر ضمن أولوياته السياسية.

ويتضمن برنامجه الانتخابي، المكون من عشر نقاط، إجراءات لمواجهة تنامي هجرة الكفاءات الإسرائيلية إلى الخارج، من خلال إطلاق برنامج طوارئ يشجع أصحاب المهارات العالية على البقاء، إلى جانب تحفيز الهجرة إلى إسرائيل.

كما يدعو إلى مراجعة نظام الإعفاء من الخدمة العسكرية الممنوح لفئات من اليهود الأرثوذكس المتشددين والعرب الإسرائيليين، مقترحاً اعتماد قانون للخدمة الشاملة يفرض على جميع المواطنين الإسرائيليين أداء خدمة عسكرية أو وطنية أو مدنية، بما في ذلك إقرار صيغة للخدمة الوطنية بالنسبة إلى المواطنين العرب.

وتكتسب هذه النقطة حساسية كبيرة داخل المجتمع الإسرائيلي، بالنظر إلى أن محاولات سابقة لتوسيع نطاق التجنيد الإجباري اصطدمت بمعارضة واحتجاجات من جانب الأوساط اليهودية الأرثوذكسية المتشددة.

جذور مغربية تضعه في واجهة المشهد السياسي الإسرائيلي

لكن العنصر الأكثر إثارة في سيرة غادي آيزنكوت يبقى أصوله المغربية؛ فهو من مواليد مدينة طبريا، ونشأ بمدينة إيلات، وينحدر من أسرة مغربية مهاجرة استقرت في إسرائيل خلال خمسينيات القرن الماضي، وكانت تعيش ظروفاً اقتصادية متواضعة.

وتنتمي أسرته إلى المكون المعروف داخل المجتمع الإسرائيلي باسم «المزراحيين»، وهو المصطلح الذي يطلق على اليهود المنحدرين من بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ومن بينها المغرب.

ويعيد صعود آيزنكوت إلى الواجهة السياسية طرح مسألة تمثيلية هذا المكون داخل مؤسسات الحكم الإسرائيلية، إذ لم يسبق لشخصية من أصول مزراحية أن تولت رئاسة الحكومة، رغم محاولات عدد من السياسيين المنحدرين من هذه الخلفية الوصول إلى المنصب.

ويرى متابعون للشأن الإسرائيلي أن خلفيته الاجتماعية والثقافية قد تمنحه أفضلية لدى فئات من الناخبين الذين اعتادوا تاريخياً دعم حزب الليكود بزعامة نتنياهو، خصوصاً أن الأخير ظل يقدم نفسه باعتباره مدافعاً عن الفئات التي تشعر بالتهميش داخل المجتمع الإسرائيلي.

غير أن المفارقة تكمن في أن نتنياهو نفسه ينحدر من عائلة يهودية ذات أصول أوروبية شرقية، بينما ينتمي آيزنكوت إلى أسرة مغربية مهاجرة، وهو ما يمنح المنافسة بينهما بعداً اجتماعياً يتجاوز مجرد التنافس الحزبي.

وبحسب تقارير إعلامية إسرائيلية، فإن عدداً من أبناء المجتمع المزراحي يستخدمون التعبير المغربي الدارج «ديالينا»، بمعنى «واحد منا»، عند الحديث عن آيزنكوت، في إشارة إلى قرب خلفيته العائلية والاجتماعية منهم.

وكان آيزنكوت قد أكد، في مقابلة تلفزيونية سابقة، اعتزازه بأصوله المغربية وبوالديه اللذين هاجرا من المغرب، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن أولويته تتمثل في ترسيخ الشعور بالانتماء إلى الهوية الإسرائيلية.

وبين خلفيته المغربية ومسيرته العسكرية ومواجهته السياسية المفتوحة مع نتنياهو، يجد غادي آيزنكوت نفسه اليوم في قلب مرحلة مفصلية من تاريخ السياسة الإسرائيلية، حيث لا يتعلق الأمر فقط بتغيير محتمل في قيادة الحكومة، بل أيضاً بصعود شخصية تحمل جذوراً مغربية إلى واجهة واحدة من أكثر الساحات السياسية إثارة للجدل في المنطقة.

08/11/2026

مقالات خاصة

Related Posts