في محاولة جديدة للعودة بقوة إلى واجهة المشهد السياسي الفرنسي، اختار زعيم حزب «فرنسا الأبية»، جون لوك ميلونشون، إطلاق سلسلة من الوعود الانتخابية المثيرة خلال تجمع جماهيري خُصص لتقديم برنامجه للانتخابات الرئاسية لسنة 2027، واضعاً القضية الفلسطينية ونزع السلاح النووي والتحول البيئي والإصلاحات الاجتماعية في صدارة خطابه، وسط تساؤلات بشأن واقعية هذه التعهدات ومدى انسجامها مع مساره السياسي.
ولم يتردد ميلونشون في رفع سقف تصريحاته، معلناً أن حكومته المحتملة قد تلجأ إلى إرسال سفن فرنسية لمرافقة أساطيل التضامن المدني المتجهة إلى فلسطين، إذا اقتضت الضرورة، في خطوة قال إنها تأتي دعماً للفلسطينيين ومواجهة ما وصفه بالإبادة الجماعية في غزة والضم التدريجي للضفة الغربية، مستشهداً بما قامت به إيطاليا وإسبانيا.
كما أعلن رفضه لأي ضم إسرائيلي لأراضٍ في الضفة الغربية أو جنوب لبنان أو هضبة الجولان، متعهداً بحشد الجهود الدولية لمواجهة الانتهاكات التي تستهدف المجتمعات المسيحية في فلسطين ولبنان. وجاءت هذه التصريحات أيضاً في سياق سجال مع السفير الإسرائيلي، الذي نُسب إليه التعبير عن تفضيله وصول أي شخصية أخرى غير ميلونشون إلى رئاسة الجمهورية الفرنسية.
غير أن هذه المواقف تعيد إلى الواجهة الجدل حول التناقضات التي يثيرها الخطاب السياسي لميلونشون، الذي اعتاد تقديم نفسه باعتباره المدافع عن حقوق الفئات الشعبية والمهمشين وصوت القضايا الاجتماعية والإنسانية، بينما يواجهه منتقدوه بتساؤلات حول مدى ثبات مواقفه وانسجامها، وحول الفجوة بين خطابه الاحتجاجي وطموحه المتواصل للوصول إلى أعلى منصب في الدولة الفرنسية.
ويبدو أن زعيم «فرنسا الأبية» يراهن مجدداً على استثمار القضايا الدولية والاجتماعية لتعبئة أنصاره وتوسيع حضوره السياسي، بعدما جعل من الانتخابات الرئاسية لسنة 2027 محطة جديدة لطموحاته نحو قصر الإليزيه، رغم إخفاقه في بلوغ الجولة الثانية خلال الاستحقاقات الرئاسية السابقة.
وفي ملف السياسة الخارجية، أعلن ميلونشون عزمه إعادة قضية نزع السلاح النووي إلى جدول الأعمال الدولي، من خلال اعتماد مقاربة تدريجية تشمل مختلف مناطق العالم، مع إعطاء الأولوية للدول الأكثر تسلحاً، إلى جانب السعي لحشد غالبية الدول من أجل دعم نزع الأسلحة البيولوجية، معتبراً أن الحد من التسلح ينبغي أن يشكل إحدى الركائز الأساسية للسياسة الخارجية الفرنسية.
أما على المستوى البيئي، فقد دعا إلى اعتماد تخطيط بيئي ملزم، يجعل الحصول على المساعدات الحكومية مشروطاً بالمساهمة في تحقيق الأهداف البيئية المحددة، مقترحاً إعادة تنظيم التقسيم الإداري الفرنسي من خلال إحداث ما سماه «الأقاليم البيئية» لتعويض الجهات الحالية.
كما تعهد بالتراجع عن برنامج الرئيس إيمانويل ماكرون الرامي إلى تطوير مفاعلات نووية جديدة، واصفاً إياه بأنه مشروع خطير ومكلف ومحفوف بالمخاطر، ومقترحاً تحويل الموارد المالية المخصصة له نحو تطوير الطاقات المتجددة، خصوصاً الطاقة الحرارية الأرضية والطاقة البحرية وتوربينات التيارات المائية.
وفي سياق وعوده الاجتماعية والبيئية، طرح ميلونشون إحداث نظامين استثنائيين تحت مسمى «حالة الطوارئ البيئية» و«حالة الطوارئ الاجتماعية»، يتيحان للسلطات التدخل الفوري لمواجهة الكوارث المناخية والأزمات الاجتماعية والخدماتية، بما في ذلك تسخير الموارد والمعدات الضرورية، على أن تقدم الحكومة حصيلة تدخلاتها لاحقاً أمام الجمعية الوطنية.
واستشهد في هذا السياق بمشكلات التزود بالمياه في غوادلوب والأوضاع الاجتماعية في جزيرة مايوت، معتبراً أن السلام الدولي ومواجهة التغير المناخي أصبحا مترابطين، وأن استمرار النزاعات المسلحة سيضع العالم أمام مواجهة مزدوجة مع الحروب والكوارث البيئية.
لكن خلف هذا الكم من الوعود، يظل التحدي الأكبر أمام ميلونشون هو إقناع الفرنسيين بأن برنامجه يتجاوز الشعارات الانتخابية إلى مشروع سياسي قابل للتنفيذ. فالدفاع عن القضايا الإنسانية والاجتماعية لا يعفي أي مسؤول سياسي من تقديم إجابات واضحة بشأن أولوياته، ومدى انسجام مواقفه، وقدرته على تحمل مسؤولية تدبير دولة تواجه تحديات اقتصادية واجتماعية وأمنية معقدة.
وبين طموحه المتجدد للوصول إلى الإليزيه، ورغبته في الظهور بمظهر المدافع عن قضايا الشعوب والعدالة الاجتماعية، يضع ميلونشون نفسه أمام اختبار سياسي جديد، خصوصاً أن رئاسة فرنسا ليست مجرد منصة لإطلاق الوعود أو توجيه الانتقادات للخصوم، بل مسؤولية تفرض وضوح الرؤية والقدرة على بناء التوافقات وتقديم حلول واقعية.
ويبقى السؤال المطروح: هل يحمل برنامج ميلونشون مشروعاً متكاملاً لتغيير فرنسا، أم يتعلق الأمر بمحاولة جديدة لتعبئة الشارع الفرنسي عبر شعارات كبرى ووعود انتخابية في انتظار معركة رئاسية جديدة؟
08/11/2026