في تطور أمني مثير يعيد ملف التهريب إلى الواجهة، كشفت السلطات الإسبانية عن نفق سري بالغ التعقيد يربط بين التراب المغربي ومدينة سبتة المحتلة، في واحدة من أخطر العمليات التي تسلط الضوء على تطور أساليب شبكات المخدرات. هذا الاكتشاف لم يكن مجرد عملية عادية، بل كشف عن “بنية تحتية خفية” كانت تُستغل لتمرير كميات ضخمة من الحشيش بشكل منتظم، بعيداً عن أعين المراقبة، في مشهد يعكس حجم التحدي الأمني الذي تعرفه المنطقة.
التحقيقات قادت إلى رجل أعمال يُدعى مصطفى الشعيري بروزي، والذي يوصف بالعقل المدبر لهذه الشبكة، حيث نجح في إنشاء ما يشبه “أوتوستراد تحت الأرض” مخصص لتهريب المخدرات. هذا الرجل، الذي ينشط في قطاع الفنادق، كان يشرف على عمليات دقيقة تمتد بين سبتة والفنيدق، معتمداً على فريق محدود لكنه عالي الكفاءة، يضم خبراء في الحفر والهندسة، ما مكنه من تشييد نفقين بقدرات لوجستية متطورة تسمح بنقل أطنان من الحشيش أسبوعياً.
النفق المكتشف لم يكن مجرد ممر بسيط، بل منشأة هندسية معقدة تمتد على عمق يقارب 19 متراً تحت الأرض، ومجهزة بنظام سكك حديدية مصغّر لنقل الشحنات، إلى جانب استخدام رافعات وبكرات لتسهيل حركة البضائع الثقيلة. كما يتكون من عدة مستويات، أحدها مخصص لتخزين المخدرات قبل تمريرها، فيما خُبئ مدخله بعناية خلف ثلاجة داخل مستودع صناعي بمنطقة طاراخال، في حيلة تعكس درجة الاحتراف والتمويه التي اعتمدتها الشبكة.
ورغم تعقيد المشروع وضخامته، تشير المعطيات إلى أن عدد المشاركين في تشييد هذا النفق لم يتجاوز عشرة أشخاص، وهو ما يبرز مستوى السرية والانضباط داخل هذه الشبكة. الأخطر من ذلك، هو تورط عنصر أمني إسباني سابق يُعرف بلقب “أنخليتو”، الذي استغل خبرته الميدانية ومعرفته الدقيقة بتحركات الأجهزة الأمنية لتسهيل مرور الشحنات، خاصة عبر مناطق قريبة من الفنيدق، ما منح الشبكة أفضلية خطيرة في تفادي المراقبة.
امتدادات هذه القضية لم تقف عند سبتة، بل وصلت إلى مناطق داخل إسبانيا مثل غاليسيا، حيث أسفرت العمليات عن حجز كميات مهمة من المخدرات وأموال ضخمة، ما يؤكد أن الأمر يتعلق بشبكة منظمة عابرة للحدود. وتشير التقديرات إلى أن تكلفة بناء مثل هذه الأنفاق قد تصل إلى مئات الآلاف من اليوروهات، تشمل التجهيزات، الأيدي العاملة، وضمان الصمت، ما يعكس حجم الاستثمارات التي تضخها هذه الشبكات في أنشطتها غير القانونية.
هذا الاكتشاف يعيد تسليط الضوء على حساسية المنطقة الفاصلة بين المغرب والثغور المحتلة، والتي تحولت في السنوات الأخيرة إلى نقطة جذب لشبكات التهريب والهجرة غير النظامية، في ظل سعي هذه التنظيمات إلى تطوير أساليبها لتفادي الرقابة. وبينما نجحت هذه العملية في تفكيك أحد أخطر المسارات السرية، يبقى السؤال مفتوحاً حول مدى انتشار مثل هذه الأنفاق، وما إذا كان ما تم كشفه لا يمثل سوى جزء صغير من شبكة أكبر لا تزال تنشط في الخفاء.
وتكشف قصة هذا “النفق الأسود” عن عالم خفي يجري تحت الأرض، حيث تتحرك شبكات منظمة بإمكانيات كبيرة وذكاء عالٍ، مستغلة الثغرات الجغرافية واللوجستية لتحقيق أرباح طائلة. وبينما تتواصل الجهود الأمنية لإحكام السيطرة، يبقى التحدي قائماً في مواجهة شبكات لا تتوقف عن الابتكار، ما يجعل المعركة ضد التهريب أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
