شهدت العديد من مباريات توظيف اساتذة الجامعة التي جرت مؤخرا احتجاج الكثير من المترشحين بسبب انعدام تكافؤ الفرص خاصة بعد تطبيق بعض لجن التوظيف بشكل حرفي لشبكة التقييم التي ارفقها وزير التعليم العالي سابقا بمراسلته المتعلقة بضرورة اعادة النظر في المعايير المعتمدة لانتقاء المترشحين المتقدمين لاجتياز تلك المباريات و ذلك بما ينسجم مع ترسيخ مبدأ الشفافية و تكافؤ الفرص و الاستحقاق . فالقراءة المتأنية لما جاء في تلك المراسلة يؤدي إلى القول بأن العمل بما جاء فيها قد أدى إلى عكس الغاية المرجوة منها خاصة بعد أن تم فهمها فهما خاطئا من طرف أعضاء بعض اللجن الذين قاموا بتطبيق تلك الشبكة تطبيقا حرفيا ( رغم ان الوزير نفسه اشار الى ان تلك الشبكة مجرد نموذج وارد على سبيل الاستئناس ) و تغليب الشكل على الجوهر ، و هو ما ادى الى المس بمبدأ تكافؤ الفرص .
و ايا ما كان الامر فإن المعايير المقترحة من طرف الوزير تتخللها عدة عيوب يمكن تلخيصها في الجوانب التالية :
اولا : فيما يخص المعيار الأول يلاحظ إغفال الشبكة لقرار وزير التعليم العالي المتعلق باجراءات تنظيم المباراة و الذي جاء فيه فيما يخص طبيعة الاختبارات و سيرها أن عملية الانتقاء الأولي ” تتضمن تقييما لشهادات المترشحين و أعمالهم ” بما فيه دون شك الاطروحة المنجزة ، فالشبكة المقترحة تضمنت فقط الإشارة في الخانة المخصصة للانتاج العلمي إلى المقالات و المنشورات في المجلات العلمية متجاهلة أطروحات المترشحين رغم أن الأطروحة هي المؤشر الأول الذي يمكن الاستئناس به و اعتماده لتقدير مؤهلات المترشح و مدى قدرته على التحليل و الابتكار .
ثانيا: بالنسبة لنفس المعيار السابق اي الانتاج العلمي و المتمثل في التوفر على مقالات و منشورات في مجلات علمية ذات تأثير عالي، نصت الشبكة على أن النقطة المخصصة لها تشكل 50 % من مجموع نقطة الانتقاء الأولي . و التخوف يكمن في أن تلجأ بعض اللجن إلى تغليب معيار الكم على معيار الجودة لترجيح مترشح على حساب مترشح اخر ، فلا يمكن إعطاء الأولوية مثلا لمترشح حاصل على الدكتوراه منذ 10 سنوات على حساب مترشح حاصل على الدكتوراه حديثا فقط لان المترشح الأول له عدد اكبر من المقالات و المنشورات ، و هو الخطأ الذي وقعت فيه العديد من لجن التوظيف في المباريات التي جرت مؤخرا . علما بان الامر لا يتعلق بتباري من اجل الترقية يتم خلاله اعتماد عدد المقالات الخ…و انما الامر يتعلق بتقدير جودة اعمال المترشحين
ثالثا : اشترطت مراسلة الوزير في المترشحين التمكن من لغتين على الأقل الا وهما لغة التدريس و لغة أجنبية و ذلك من خلال شهادات تثبت ذلك ، و هذا يدعو إلى طرح التساؤل حول الفائدة من تدريس اللغات داخل الجامعة منذ اعتماد نظام الوحدات اذا كانت التجربة قد أظهرت عدم إلمام الباحثين الذين درسوا في هذا النظام باللغات ، لذلك لا يبدو إقتراح تقديم المترشحين للشواهد المذكورة حلا معقولا . و إنما ينبغي الاهتمام بمراجعة السبل الكفيلة بتمكين الطلبة أثناء دراستهم الجامعية من اكتساب او الإلمام باللغات الأجنبية . من جهة أخرى يلاحظ انه حتى بالنسبة للجامعات التي تبنت شبكة التقييم المقترحة من طرف السيد الوزير، جاءت الإعلانات المتعلقة بمباريات توظيف الاساتذة بها خالية من مطالبة المترشحين بالادلاء بالشواهد التي تثبت تمكنهم من لغة اجنبية ؟ فكيف يمكن تقييم هذا الجانب لديهم ؟
رابعا : يتمثل المعيار الرابع الذي أشارت إليه شبكة تقييم المترشحين المقترحة في التجربة البيداغوجية لاسيما تأطير الأنشطة البيداغوجية . و اذا كانت مراسلة السيد الوزير قد جاء في بدايتها انها تهدف اساسا إلى تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص بين المترشحين ، فإن اعتماد مثل هذا المعيار يعاكس هذه الغاية ، إذ أن التجربة البيداغوجية ليست متاحة لكل حاصل على الدكتوراه ، كما أن الاعتبار الشخصي يلعب أحيانا دورا كبيرا في إسناد مهام التدريس بشكل عرضي لحاصلين على الدكتوراه بعينهم دون سواهم . من جهة ثانية لا يجب ان نغفل عن أن بعض المترشحين الذين ثبتت في حقهم السرقة العلمية يتوفرون على شواهد تفيد قيامهم بالتدريس ببعض الجامعات و من بينهم من تم انتقاءهم سابقا في بعض المباريات بناء على تلك الشواهد ، و يتعلق الأمر على وجه الخصوص ببعض المباريات التي تم إلغاؤها بعد كشف كواليس الريف لما يتعلق بذلك . لذلك الأجدى هو عدم اعتماد مثل هذا المعيار في عملية الانتقاء الأولي، و إنما يتعين على لجن التوظيف أثناء اختبار العرض و المناقشة أن تحدد مدى قدرة المترشح على مزاولة مهام التدريس . اما ان يتم انتقاء من لهم تجربة بيداغوجية دون غيرهم ، فهذا سيشكل مسا بمبدأ تكافؤ الفرص و ترجيحا لباحثين ربما امتيازهم الوحيد توفرهم على علاقات خولتهم الاستفادة من التجربة البيداغوجية .