لم يدخل المشجع الكونغولي ميشيل كوكا مبولادينغا مدرجات الملاعب المغربية ليصرخ أو يحتفل أو يذوب في حماسة الجماهير، بل دخلها كمن يؤدي طقسًا ذاكرةً لا تشبه كرة القدم في ظاهرها، لكنها تنتمي إليها في جوهرها الإفريقي العميق. في زمن تهتف فيه الحناجر، اختار الصمت لغة، والثبات موقفًا، والرمز سلاحًا.
تسعين دقيقة كاملة، يقف الرجل دون حركة، رافعًا ذراعه اليمنى بكف مفتوحة نحو السماء، في مشهد يربك المتفرج قبل أن يشدّه. لا موسيقى، لا قفز، لا شعارات… فقط جسد جامد يستحضر ظل تمثال باتريس لومومبا المنتصب في كينشاسا، وكأن المدرجات تحولت فجأة إلى ساحة تاريخ، والمباراة إلى لحظة استدعاء للذاكرة الجماعية.
لهذا السبب صار يُنادى بـ«حفيد لومومبا». ليس لأنه يحمل دمه، بل لأنه يحمل قضيته. أراد أن يقول، دون كلمة واحدة، إن كرة القدم الإفريقية لم تكن يومًا مجرد تنافس على الأهداف، بل مرآة لنضالات شعوب قاومت الاستعمار، ودفعت ثمن الحرية غاليًا.
باتريس لومومبا، الذي يستحضره هذا المشجع بصمته، لم يولد زعيمًا. وُلد عام 1925 في إقليم كاساي، وبدأ حياته موظفًا بسيطًا في البريد، قبل أن يكتشف صوته الحقيقي في النقابات والمنابر. كان خطابه مختلفًا، حادًا، صادمًا، لا يهادن ولا يطلب الاستقلال على المقاس الاستعماري، بل يطالب به كاملًا غير منقوص، سياسيًا واقتصاديًا.
حلم لومومبا بكونغو واحدة، لا تمزقها الأعراق ولا تتحكم فيها العواصم الأجنبية من خلف الستار. وحين خرج إلى الشارع عام 1959، خرجت معه الجماهير، فواجههم المستعمر البلجيكي بالقمع والسجون، قبل أن يدرك أن التاريخ لا يُعتقل طويلًا. أُفرج عن لومومبا ليجلس إلى طاولة المفاوضات في بروكسل، لا كرهينة، بل كزعيم فرض نفسه، وانتزع مع رفاقه استقلال الكونغو الذي أعلن رسميًا في يونيو 1960.
في المدرجات المغربية، لم يكن ميشيل كوكا مبولادينغا يشجع فريقًا فقط، بل كان يرفع ذراعه ليقول: ما زالت إفريقيا تتذكر، وما زالت الملاعب قادرة على حمل رسائل لا تُكتب على اللافتات، بل تُقرأ في الصمت.
01/01/2026