تشهد قضية الصحراء المغربية تحولا عميقا في مقاربة الولايات المتحدة، التي انتقلت من موقع الداعم التقليدي إلى فاعل يسعى إلى إعادة صياغة قواعد اللعبة الأممية بشكل أكثر حزما ووضوحا. ففي خطوة تحمل دلالات سياسية قوية، ربطت واشنطن بشكل مباشر استمرار مهمة بعثة «المينورسو» بمدى تقدم مسار سياسي واقعي، يرتكز أساسا على مبادرة الحكم الذاتي التي يقترحها المغرب.
هذا التحول لم يأتِ في سياق عابر، بل جاء على لسان السفير الأمريكي لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، خلال جلسة رسمية أمام لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، حيث شدد على أن تجديد ولاية البعثة الأممية لم يعد إجراءً تقنيا روتينيا، بل بات مشروطا بوجود دينامية سياسية حقيقية تقود إلى حل ملموس، واضعا مقترح الحكم الذاتي في صلب هذا المسار.
الموقف الأمريكي الجديد يعكس تغيرا في عمق الرؤية الاستراتيجية لواشنطن، إذ لم تعد تكتفي بإعلان دعمها للمغرب، بل اتجهت نحو فرض منطق النتائج داخل أروقة الأمم المتحدة، عبر ربط عمل «المينورسو» بأفق سياسي محدد، في محاولة لإنهاء حالة الجمود التي طبعت الملف لعقود.
ومنذ إنشائها سنة 1991، ظلت البعثة الأممية حبيسة واقع معقد، عجزت خلاله عن تحقيق اختراق فعلي، في ظل استمرار أطروحات جبهة البوليساريو والجزائر التي لم تعد تنسجم مع التحولات الدولية ولا مع توجهات مجلس الأمن، خاصة بعد القرار الصادر في أكتوبر 2025، الذي كرس مبادرة الحكم الذاتي كخيار جدي وواقعي للتسوية.
تصريحات والتز حملت أيضا نبرة غير مسبوقة، حين أشار إلى أن النزاع ظل “مجمدًا” لما يقارب نصف قرن، في تعبير واضح عن تزايد نفاد الصبر داخل دوائر القرار الأمريكي، التي لم تعد ترى جدوى في استمرار الوضع الحالي دون أفق حل.
وفي هذا السياق، تتعالى داخل الولايات المتحدة أصوات تدعو إلى مراجعة شاملة لدور «المينورسو»، حيث باتت فعاليتها موضع تساؤل، سواء من حيث كلفتها أو محدودية تأثيرها على الأرض، وهو ما انعكس في نقاشات داخل الكونغرس، حيث طالب مشرعون من الحزبين بإعادة تقييم عمليات حفظ السلام، ضمن رؤية إصلاحية أوسع لمنظومة الأمم المتحدة.
ويأتي هذا التصعيد السياسي بالتزامن مع مواعيد حاسمة داخل مجلس الأمن، إذ يرتقب عقد مشاورات مغلقة يوم 24 أبريل، تليها إحاطة رسمية يقدمها الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، في 30 أبريل، ستتضمن تقييما شاملا لمستقبل البعثة وأدوارها المحتملة في المرحلة المقبلة.
بالتوازي مع ذلك، تشهد الساحة الأمريكية تحركات لافتة تجاه جبهة البوليساريو، حيث دعا عدد من أعضاء الكونغرس إلى دراسة إمكانية تصنيفها كمنظمة إرهابية، في مؤشر على تشدد متزايد في التعاطي مع هذا الملف.
وفي خلفية هذه التطورات، تكثف واشنطن جهودها الدبلوماسية لدفع الأطراف نحو طاولة المفاوضات، عبر تحركات شملت المغرب والجزائر وموريتانيا والبوليساريو، مع تركيز خاص على إشراك الجزائر بشكل أكثر مباشرة في نقاشات الحل، خصوصا حول مقترح الحكم الذاتي.
كل هذه المؤشرات توحي بأن ملف الصحراء دخل مرحلة جديدة، عنوانها الانتقال من إدارة النزاع إلى البحث الجدي عن تسويته، في ظل إرادة دولية متنامية لفرض حلول واقعية تنهي واحدا من أطول النزاعات الإقليمية في العالم.
17/04/2026