في واحدة من أكثر القضايا إثارة وخطورة، التي تكشف عمق تغلغل الجريمة المنظمة وتعقيد شبكاتها العابرة للحدود، فجّرت التحقيقات الأمنية المرتبطة بنفق المخدرات المكتشف بمدينة سبتة المحتلة معطيات صادمة، بعدما قادت خيوط التنصت وتتبع الاتصالات إلى اسمين ثقيلين في عالم التهريب الدولي: “ميسي الحشيش” و”اليويو”، وهما من أبرز المطلوبين الفارين منذ سنوات، في ملف لا يعكس مجرد عملية تهريب، بل يكشف عن منظومة إجرامية متكاملة تشتغل بعقلية عسكرية وتنظيم محكم يعيد رسم خريطة النفوذ بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط.
التحقيق، الذي تفجّر مع اكتشاف نفق ثانٍ نهاية شهر مارس، تجاوز منذ لحظاته الأولى حدود عملية أمنية روتينية، ليتحول إلى بوابة نحو شبكة معقدة تمتد جذورها بين المغرب وجنوب إسبانيا، حيث كشفت المكالمات الملتقطة بين الموقوفين عن حضور مباشر لهذين “البارونين” في قلب العمليات، ما منح القضية بعداً استثنائياً، خاصة وأن الأمر يتعلق بأسماء راكمت ثروات طائلة ونفوذاً واسعاً داخل اقتصاد موازٍ قائم على المخدرات وتبييض الأموال.
“اليويو”، الذي ارتبط اسمه لسنوات بقيادة “قوارب الموت” عبر مضيق جبل طارق، لم يعد مجرد ناقل لشحنات الحشيش، بل تحول إلى فاعل رئيسي في تجارة الكوكايين ذات العائدات المرتفعة، مستفيداً من التحولات التي يعرفها سوق المخدرات، بينما ظل متوارياً عن الأنظار لما يقارب عقداً كاملاً بعد فراره من عملية نوعية للحرس المدني الإسباني، ليصبح اسمه اليوم مرادفاً للدهاء الإجرامي والثراء السريع. في المقابل، يبرز “ميسي الحشيش” كأحد أعمدة شبكات التهريب بالمغرب، حيث تشير تقارير إعلامية إسبانية إلى أنه يعيش حياة شبه طبيعية رغم مذكرات البحث المتعددة الصادرة في حقه، في مشهد يطرح أكثر من علامة استفهام حول حدود الردع وصعوبة تفكيك هذه الشبكات المتجذرة.
غير أن أخطر ما كشفت عنه التحقيقات لا يتعلق فقط بهوية المتورطين، بل بطبيعة البنية التحتية المعتمدة، إذ تبين أن النفق ليس مجرد ممر بدائي، بل منشأة متطورة مزودة بسكك حديدية لنقل الشحنات، ما يعكس حجم الاستثمارات الضخمة والتنظيم الدقيق، ويفتح الباب أمام سيناريوهات مقلقة، من بينها احتمال استغلال هذه الأنفاق لتهريب أسلحة أو أشخاص، في سياق يتسم بتصاعد غير مسبوق في عنف شبكات التهريب وتزايد انتشار الأسلحة الثقيلة في المنطقة.
القضية أخذت منحى أكثر حساسية مع بروز شبهات اختراق داخل الأجهزة نفسها، حيث يخضع حارس مدني متقاعد للتحقيق على خلفية تسجيلات صوتية تربطه بعلاقات مباشرة مع الشبكة، بل ويكشف عن تفاصيل صادمة تتعلق بهدايا ثمينة تلقاها من “ميسي الحشيش”، من بينها ساعة فاخرة تتجاوز قيمتها عشرات الآلاف من اليوروهات، في صورة تختزل كيف ينجح المال غير المشروع في اختراق حتى الخطوط الأمامية لمحاربة الجريمة.
ولم تقف التداعيات عند هذا الحد، إذ امتدت دائرة الشبهات إلى عناصر أخرى، ما خلق حالة من التوتر داخل الأجهزة الأمنية، خصوصاً بعد تسريب معطيات حساسة كادت تجهض عمليات اختراق سرية، لتتحول القضية من مجرد تفكيك شبكة تهريب إلى أزمة ثقة حقيقية داخل مؤسسات يفترض أنها تقف سداً منيعاً أمام هذا المد الإجرامي، وهو ما يفرض تنسيقاً دقيقاً ويقظة مضاعفة بين مختلف المصالح الأمنية والاستخباراتية.
وسط كل ذلك، يتأكد يوماً بعد يوم أن نفق سبتة ليس سوى واجهة لواقع أكثر تعقيداً وخطورة، وأن ما يجري في الخفاء يتجاوز بكثير ما يظهر في العلن… شبكات تتوسع، أموال تتدفق، ونفوذ يتمدد في صمت، بينما تظل الحدود مسرحاً مفتوحاً لصراع خفي بين دولة تحاول فرض القانون وعالم سفلي لا يعترف إلا بمنطق القوة والربح.
وفي نهاية تليق بثقل هذا الملف، لا يبدو السؤال المطروح هو من يقف وراء هذا النفق، بل كم من “المشاريع” المشابهة تُدار بهدوء تحت الأرض وكأنها مجرد تفاصيل هندسية عادية، وكم من الأسماء الثقيلة تواصل إدارة المشهد من الظل بكل برودة أعصاب، وكأن الضجيج خارجها لا يعنيها.
والمفارقة أن كل شيء يبدو مضبوط الإيقاع… إلى أن يقرر الواقع، كعادته، أن يفسد هذا “الترتيب المحكم”، فتتساقط الأسرار دفعة واحدة، بلا استئذان، وبلا مهلة للتفسير أو التبرير.
21/04/2026