kawalisrif@hotmail.com

ميلاد قطب رقمي من قلب الشمال… غرفة التجارة والصناعة بطنجة تكتب فصلاً جديدًا في هندسة التكوين العالي بالمغرب

ميلاد قطب رقمي من قلب الشمال… غرفة التجارة والصناعة بطنجة تكتب فصلاً جديدًا في هندسة التكوين العالي بالمغرب

في خطوة تتجاوز بعدها الإداري لتلامس عمق التحولات الاستراتيجية التي يشهدها المغرب، منحت وزارة التعليم العالي والبحث العلمي والابتكار ترخيصًا رسميًا لغرفة التجارة والصناعة والخدمات لجهة طنجة-تطوان-الحسيمة لإحداث المعهد العالي الخاص لعلوم الرقمنة والمعلومات (ISPSNI)، ابتداءً من الموسم الجامعي 2025-2026.

هذا القرار لا يمكن فصله عن دينامية وطنية متسارعة تسعى إلى إعادة تشكيل موقع المغرب داخل اقتصاد المعرفة. فالأمر يتعلق برهان واضح على الاستثمار في “الرأسمال اللامادي” — أي الإنسان المؤهل رقميًا — باعتباره مفتاح التنافسية في عالم تحكمه الخوارزميات والبيانات أكثر مما تحكمه الموارد التقليدية.

اختيار طريق سبتة – ملّاليين بإقليم تطوان ليس تفصيلاً تقنيًا، بل جزء من رؤية ترابية دقيقة. فالمعهد سيتموقع في قلب محور اقتصادي صاعد، يربط بين طنجة كمنصة صناعية ولوجستية ذات امتداد دولي، وتطوان كمجال متنامٍ في الخدمات والاستثمارات. هذا القرب من النسيج الاقتصادي يمنح المشروع قيمة مضافة حقيقية: تكوين مرتبط بالواقع، لا مفصول عنه.

يراهن المعهد على مجالات باتت تشكل العمود الفقري للاقتصاد العالمي: الذكاء الاصطناعي، الأمن السيبراني، تحليل البيانات، وتطوير البرمجيات. لم تعد هذه التخصصات خيارًا أكاديميًا، بل ضرورة استراتيجية، في ظل الطلب المتزايد على كفاءات قادرة على فهم البيانات، وحماية الأنظمة، وتطوير حلول رقمية مبتكرة.

ومن شأن هذا التوجه أن يساهم في تقليص واحدة من أبرز مفارقات سوق الشغل المغربي: وفرة الشهادات مقابل ندرة الكفاءات المتخصصة، خصوصًا في المجالات الرقمية.

قوة المشروع لا تكمن فقط في مضمونه البيداغوجي، بل أيضًا في طبيعته المؤسساتية. فإحداث المعهد بمبادرة من غرفة التجارة والصناعة والخدمات، وتسييره من طرف “المؤسسة الجهوية للتكوين والتنمية”، يعكس تحولًا عميقًا في فلسفة التكوين. هنا، لم يعد التعليم يُنتج بمعزل عن السوق، بل يُصاغ بتوجيه مباشر من الفاعلين الاقتصاديين، بما يضمن ملاءمة حقيقية بين التكوين وفرص التشغيل.

الترخيص الرسمي جاء محاطًا بجملة من الشروط الدقيقة، أبرزها تحديد الطاقة الاستيعابية في 375 مقعدًا بيداغوجيًا، مع إلزام المؤسسة باحترام دفاتر التحملات وكافة القوانين المؤطرة للتعليم العالي الخاص. كما أن أي تغيير في بنية المشروع أو توجهاته يظل رهينًا بموافقة مسبقة من الوزارة، مع إمكانية سحب الترخيص في حال الإخلال بالشروط، وهو ما يعكس إرادة واضحة لضبط القطاع والقطع مع أي ممارسات عشوائية.

افتتاح هذا المعهد لا يمثل مجرد رقم يُضاف إلى خريطة المؤسسات الجامعية، بل مؤشر على تحول عميق في تصور الدولة لدور التعليم: من وظيفة تقليدية قائمة على منح الشهادات، إلى رافعة استراتيجية لإنتاج الكفاءات.

الشمال المغربي، الذي فرض نفسه خلال العقدين الأخيرين كقاطرة صناعية ولوجستية، يبدو اليوم بصدد استكمال صورته كقطب معرفي رقمي. ومع مبادرات من هذا الحجم، تتضح معالم مرحلة جديدة عنوانها: الاستثمار في العقول… قبل البنى.

23/04/2026

مقالات خاصة

Related Posts