حسم تقرير الطب الشرعي الثالث في قضية وفاة المواطن المغربي عبد الرحيم أكوح، الذي لقي مصرعه يوم 17 يونيو 2025 بمدينة تورّخون دي أردوس الإسبانية، الجدل الذي رافق الملف منذ بدايته، مؤكّدًا وبشيء من “الهدوء الطبي المعتاد” ، أن الأمر يتعلق بـاختناق قاتل ناتج عن تدخل جسدي مباشر لشرطي خارج الخدمة.
وجاء في التقرير أن السبب الجوهري والحاسم للوفاة هو “الاختناق الميكانيكي”، الناتج عن تقنية السيطرة المعروفة بـ“الماتاليون”، حيث تم الضغط على عنق الضحية بطريقة منعت وصول الأكسجين إلى الرئتين، لتنتهي حياته عن عمر 35 سنة، في مشهد لا يحتاج كثيرًا من التأويل بقدر ما يحتاج كثيرًا من التوضيح.
وبلغة طبية لا تترك كثيرًا من المساحة للجدل، شدد خبراء معهد الطب الشرعي الإسباني على أن هذا النوع من الاختناق يعني ببساطة “انعدام التنفس نتيجة ضغط خارجي يمنع مرور الهواء”، وهو ما يُسقط تلقائيًا كل المحاولات التي حاولت جرّ الملف نحو فرضيات مرضية أو ذاتية.
التقرير لم يتوقف عند هذا الحد، بل ذهب إلى توصيف أكثر وضوحًا، باعتبار الواقعة “وفاة عنيفة ذات طابع جنائي”، وهو وصف ثقيل يعيد ترتيب أوراق الملف من جديد، ويدفعه بثبات نحو مسار قضائي أكثر حساسية مما كان يُراد له في البداية.
وفي أول رد فعل قانوني، أكد محامي عائلة الضحية، روبن فاكيرو، أن هذا التشريح “يغلق باب التأويلات نهائيًا”، مضيفًا — بثقة لا تخلو من رسالة واضحة — أن الوفاة سببها فعل الشرطي وحده، بعيدًا عن أي أمراض سابقة أو تعاطي مخدرات، في رد مباشر على كل ما أُثير من روايات جانبية.
وأوضح الدفاع أن هذا التطور الطبي سيُحدث تحولًا مهمًا في الملف، إذ سيفتح الباب أمام إعادة تكييفه كـجريمة قتل عمد (homicidio doloso)، وهو ما قد ينقل القضية إلى محاكمة أمام هيئة محلفين، في خطوة تقول العائلة إنها “متأخرة لكنها ضرورية”.
ولم تتوقف تحركات الدفاع عند هذا الحد، إذ أعلن عزمه المطالبة بإعادة فتح التحقيق مع شرطي ثانٍ متقاعد كان حاضرًا أثناء الواقعة، بعدما كان يُعامل كشاهد فقط، بينما تشير المعطيات الجديدة إلى أنه لم يكن مجرد متفرج محايد، بل شارك في تثبيت الضحية على الأرض ومنع أي تدخل لإنقاذه.
وبين تقرير طبي يرفع سقف المسؤولية، ودفاع عائلي يوسع دائرة الاتهام، يتجه الملف نحو منعطف قضائي أكثر سخونة، قد يخرجه من خانة “تدخل أمني انتهى بشكل مأساوي” إلى خانة ملف جنائي ثقيل بامتياز، عنوانه: موت تحت السيطرة… أم سيطرة انتهت بالموت؟
وفي خضم هذا التشابك الذي يزداد ثِقلاً مع كل وثيقة جديدة، لم يعد السؤال مجرد “كيف توفي عبد الرحيم أكوح؟”، بل أصبح أقرب إلى سؤال آخر أكثر إزعاجًا: من قرر أن تنتهي الحكاية بهذه الطريقة؟
تشريح ثالث أغلق باب الشك الطبي، لكنه فتح في المقابل أبوابًا أوسع على المساءلة، حيث لم يعد الصمت الطبي كافيًا، ولا التفسيرات الجانبية مقنعة. وبين “سلطة التدخل” و”سلطة الحقيقة”، يظل السؤال معلّقًا: هل كان الأمر لحظة فقدان سيطرة… أم لحظة سيطرة انتهت بشكل لا يمكن تبريره؟
اليوم، يقف الملف على حافة الحقيقة الكاملة، بينما تبقى عائلة الضحية في مواجهة سؤال واحد ثقيل، لا يحتاج تقريرًا إضافيًا بقدر ما يحتاج جوابًا:
28/04/2026