في سياق دينامية التعاون العسكري متعدد الأطراف التي يرسخها تمرين “African Lion 26”، احتضنت منطقة طانطان أول دورة تأهيل متخصصة لفائدة موجهي الإسناد المتقدم (JTAC) التابعين للقوات المسلحة الملكية، في خطوة تعكس تطوراً نوعياً في منظومة التنسيق الناري المشترك ورفع جاهزية التدخل الميداني.
وتهدف هذه الدورة إلى تمكين الأطر المغربية من التحكم في توجيه الطائرات المقاتلة ونيران المدفعية وكذا الإسناد الناري البحري من المواقع الأمامية، وفق معايير عالية من الدقة والسلامة العملياتية، بما ينسجم مع متطلبات العمليات المشتركة الحديثة.
وقد عرفت هذه التمارين مشاركة عناصر من القوات المسلحة الملكية إلى جانب نظرائهم من القوات الجوية الأمريكية ومشاة البحرية الأمريكية، فضلاً عن حضور ممثلين عن كندا والمجر، في إطار مقاربة متعددة الجنسيات تعزز تبادل الخبرات والتكتيكات العسكرية.
وشملت التدريبات أنشطة ميدانية حية ومحاكاة دقيقة لسيناريوهات الإسناد الجوي القريب، ما أتاح بيئة تدريب واقعية مكّنت المشاركين من تطوير الكفاءات التقنية والعملياتية، وتعزيز قدرات التنسيق بين مختلف مكونات القوات المشاركة. ويُنظر إلى هذا البرنامج باعتباره محطة مفصلية في مسار تطوير قدرات موجهي الإسناد المتقدم، بما يعزز قابلية التكامل مع الشركاء الدوليين في العمليات المشتركة.
وفي سياق متصل، أصدرت مندوبية الصيد البحري بطانطان إعلاناً رسمياً موجهاً إلى مهنيي القطاع تُعلن فيه منع الملاحة والصيد داخل منطقة بحرية محددة، وذلك تزامناً مع تنظيم مناورات عسكرية بحرية ستُجرى قبالة سواحل الإقليم خلال الفترة الممتدة من فاتح ماي إلى غاية التاسع من الشهر نفسه.
ويأتي هذا القرار في إطار تنسيق مؤسساتي يهدف إلى تعزيز جاهزية الوحدات البحرية، مع الحرص على تقليص أي تأثير محتمل على نشاط الصيد البحري، وضمان سير العمليات في ظروف آمنة ومنظمة.
وقد تم تحديد المجال البحري المعني بدقة عبر إحداثيات جغرافية مضبوطة تُحدد نطاق المنطقة المخصصة للمناورات، حيث شددت المندوبية على ضرورة الامتناع الكلي عن مزاولة أي نشاط صيد داخل هذا الحيز طوال مدة العملية، تفادياً لأي مخاطر قد تنجم عن التداخل بين التحركات العسكرية وأنشطة المهنيين.
ويعكس هذا التنسيق المستمر بين مختلف المتدخلين مستوى عالياً من اليقظة المؤسساتية والتواصل الميداني، بما يعزز الثقة ويكرّس منطق العمل المشترك بين السلطات المدنية والعسكرية في تدبير الفضاء البحري.
وفي المحصلة، يكرّس تمرين “الأسد الإفريقي” مرة أخرى مكانته كأحد أكبر التمارين العسكرية متعددة الجنسيات، ليس فقط كفضاء لرفع الجاهزية القتالية وتطوير القدرات العملياتية، بل أيضاً كمنصة استراتيجية لترسيخ ثقافة التنسيق المشترك وتبادل الخبرات بين جيوش من مختلف القارات. وبين دقة التخطيط وصرامة التنفيذ، تتعزز صورة شراكة عسكرية قائمة على الاحترافية والانسجام الميداني، بما يجعل من هذا التمرين رافعة حقيقية لتطوير منظومات الدفاع الحديثة، ورسالة واضحة بأن الجاهزية اليوم تُبنى بقدر ما تُبنى الثقة والتكامل بين الشركاء.
ويبرز هذا التمرين مجدداً الدور المحوري الذي تضطلع به المملكة المغربية كشريك استراتيجي موثوق في مجالات الأمن والدفاع، ومكانتها المتقدمة كفاعل إقليمي يسهم في تعزيز الاستقرار وتطوير التعاون العسكري متعدد الأطراف. كما يعكس مستوى الاحترافية الذي بلغته القوات المسلحة الملكية في مجالات التخطيط والتنسيق الميداني، وقدرتها على الاندماج الفعال ضمن منظومات عسكرية دولية معقدة، بما يكرّس حضور المغرب كحلقة وصل أساسية بين الضفتين الأطلسية والمتوسطية في قضايا الأمن المشترك.
