بينما كانت عدسات الكاميرات تلاحق الألواح الطائرة فوق مياه مارتشيكا، كان واقع الرياضة بالناظور يغرق، مرة أخرى، في مستنقع التهميش والنسيان. ضجيج إعلامي صاخب، وشعارات براقة عن “الإشعاع العالمي”، وتصفيق رسمي هستيري لبطولة لا يعرف أغلب شباب المدينة حتى قواعدها، في وقت تُترك فيه الرياضات الشعبية الحقيقية تلفظ أنفاسها الأخيرة تحت وطأة الإقصاء والإهمال.
مدينة تعاني أنديتها من الإفلاس، وملاعبها من الخراب، وشبابها من الفراغ القاتل، ثم يخرج علينا المسؤولون للاحتفال برياضة فاخرة مستوردة، لا يمارسها إلا من يملك ثمن “الترف الرياضي”!
الحديث عن “نجاح عالمي” يبدو أقرب إلى النكتة السوداء، حين نرى جمعيات رياضية محلية عاجزة حتى عن شراء الأقمصة أو تأمين تنقل لاعبيها. فكيف يمكن لمسؤول أن يتحدث عن “تطوير الرياضة”، وهو يدفن بصمت كل رياضة جماهيرية تصنع الحلم الحقيقي لأبناء الأحياء الشعبية؟
الحقيقة المُرّة أن بعض المسؤولين لا يريدون رياضة تصنع الأبطال، بل مناسبات تصنع الصور. بطولات موسمية تُنفخ إعلامياً، ووفود أجنبية تُستعرض أمام الكاميرات، ثم ينتهي كل شيء بمجرد إطفاء الأضواء، بينما يبقى الرياضي المحلي وحيداً يصارع الفقر والتهميش والإقصاء.
الأخطر من ذلك أن هذا النوع من التظاهرات أصبح يُستعمل كستار فاخر لإخفاء الفشل العميق في تدبير الشأن الرياضي. فبدل بناء ملاعب القرب، وتأهيل الأندية، واحتضان المواهب المحلية، يتم الهروب نحو “رياضات النخبة” التي تمنح بريقاً إعلامياً سريعاً، لكنها لا تترك أي أثر حقيقي في حياة شباب المنطقة.
والمثير للسخرية أكثر أن رياضات ذات إشعاع عالمي حقيقي، مثل “الجيت سكي”، والزوارق النفاثة، والطيران الاستعراضي، ما تزال خارج دائرة الاهتمام، رغم أنها تستقطب آلاف المتابعين وتنقلها قنوات دولية كبرى. بل إن تظاهرات أولمبية مصنفة دولياً، كبطولات العالم في الترياثلون، إلى جانب عروض الطائرات المائية وسباقات الزوارق النفاثة، تُقصى بالكامل من الأجندة الرسمية، رغم قدرتها الهائلة على جلب الاستثمار والحركية السياحية والإشعاع الحقيقي للمنطقة.
لكن يبدو أن خريطة الرياضة بمارتشيكا لا تُرسم وفق منطق الجدوى أو الإشعاع الدولي، بل وفق المزاج الشخصي، وما يدخل ضمن دائرة الاهتمام الضيقة لبعض المسؤولين. وكأن مستقبل الرياضة بالناظور أصبح رهيناً بمخيلة إدارية محدودة، لا ترى أبعد من الصورة الدعائية واللقطة البروتوكولية.
فأي إشعاع هذا الذي لا ينعكس على أبناء المدينة؟
وأي تنمية رياضية هذه التي تحلّق فوق الماء، بينما الرياضة القاعدية تغرق تحت خط الفقر والإهمال؟
الناظور لا تحتاج إلى استعراضات عابرة بقدر ما تحتاج إلى عدالة رياضية حقيقية. تحتاج إلى مسؤولين ينزلون إلى الملاعب المهترئة بدل الفنادق الفاخرة، ويستمعون إلى صرخات الجمعيات بدل التصفيق في المنصات الرسمية.
لأن الرياضة التي لا تخدم أبناء المدينة ليست تنمية، بل مجرد فرجة موسمية بميزانية ثقيلة وصورة مزيفة.
سيغادر الأجانب بألواحهم الطائرة، وستُطوى المنصات، وتُطفأ الكاميرات، وتعود المدينة إلى واقعها القاسي: ملاعب مهترئة، جمعيات مسحوقة، وشباب تُكسَر أحلامه كل يوم على صخرة الإهمال.
أما أولئك الذين يبيعون الوهم تحت عنوان “الإشعاع العالمي”، فعليهم أن يدركوا أن الرياضة ليست حفلة علاقات عامة، ولا استعراضاً عابراً فوق مياه هادئة، بل حق اجتماعي ومشروع كرامة وعدالة.
فالتاريخ لا يُخلّد من صنعوا الضجيج، بل من بنوا الإنسان. والمدن لا تنهض بالأضواء المؤقتة، بل بالشباب الذي يجد مكانه في الملعب قبل أن يضيع في الشارع.
وحين تصبح رياضة لا يعرفها إلا المحظوظون أولوية، بينما تُدفن الرياضات الشعبية في صمت، فاعلم أن المشكلة ليست في الرياضة… بل في عقلية تدبير لا ترى المواطن، بل ترى فقط الكاميرا.
12/05/2026